صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب/ كتاب صالح الحاجّة: ‘خمرة الروح’… أو مسافر يبحث عن محطة استراحته

slama
كتب: نوفل سلامة

هل هذا صالح الحاجّة الذي نعرفه؟ هل هذا هو صاحب الصريح الجريدة الساخرة وابن الجريد صاحب النكتة الحاضرة والضحكة الدائمة المقبل على الحياة، المُحب لـ متاعها المفتون بملذاتها والمحب لأتعابها والمراهن على تحدياتها والمصرّ على خوض معاركها وحروبها والمتشبث بمتعها؟

كان هذا جانب من الأسئلة الحائرة التي خرجت بها بعد قراءتي لكتاب الأستاذ صالح الحاجّة الجديد: ‘خمرة الروح سيرة روحية‘ الصادر دار الشنفرى للنشر والتوزيع صيف 2025، وهو كتاب رغم أن عدد صفحاته لم تتعد 140 صفحة إلا أن محتواه ومضمونه عميق يحلق بالقارئ في فضاءات غير معتادة ومناخات غير معهودة وغير متوقعة من رجل شغل الدنيا مع غيره من أعمدة الصحافة في بلادنا في فترة من فترات تونس المعاصرة بمقالاته وبما كانت تنشره صحيفته من مضامين متنوعة…
وكان مساهما بقوة في صياغة رأي عام وأثّث بصالونه مشهدا فكريا وثقافيا بديعا ارتقى إلى أن يكون منارة افتقدها القارئ والمتابع للإعلام بعد أن تخلت الصريح عن الصدور الورقي…

مفاجأة غير منتظرة

نقول هذا الكلام لأن كتاب خمرة الروح هو بمثابة المفاجأة التي لم تكن منتظرة على الأقل بالنسبة إليّ كشف فيه عن شخصية غير معروفة وأبرز جانبا كان مخفيا من حياة هذا الرجل الذي أرهقته الصحافة واتعبته الحياة إلى الحد الذي اشتكى في الكثير من المناسبات من خطئه في اختيار مهنة متعبة سماها مهنة المتاعب التي لا يأتي من ورائها إلا المتاعب…وهي متعبة وخطيرة خاصة حينما يتعلق الأمر بالسياسة والسياسيين ومشاكل الارتباط المكره بمن في الحكم…

نقول هذا الكلام لأن الكتاب قد كشف لنا عن صالح الحاجّة آخر بعيدا عن عالم الدنيا وخارج رهانات متاعها المدنسة، صالح الحاجة لا نعرفه قادم من عالم الصفاء الروحي والتجليات الصوفية وأسئلة السالكين الطريق إلى الله الباحثين عن حقيقتهم وحقيقة الوجود، صالح الحاجّة البعيد عن عالم السياسة والفكر والقضايا الاجتماعية التي أتعبته وأسئلة الحياة التي ارهقته، الباحث عن راحته النفسية والراغب في استراحة قلبية تنهي عذاباته وتقوده إلى عالم الصالحين والمتصوفة والعابدين والسالكين طريق الإيمان والمسافرين بحثا عن الراحة واليقين والأمان والاطمئنان بعد رحلة الأرض في عالم المتاعب ومهنة المتاعب ورفقة المتاعب والاختيارات المتعبة…

هذيان العقل

لماذا خمرة الروح ؟ ما علاقة الخمرة التي تحيل على معنى السكر وحالة من فقدان الوعي وعدم الاتزان تحت تأثير المخمر والروح رمز السمو والصفاء والنقاء والتعالي عن الدنائس؟ وكيف يمكن الجمع بين ما هو روحي متعال وما هو مادي دنس؟ أجاب صالح الحاجة عن سبب اختيار هذا العنوان لكتابه ومع ذلك فإن العنوان مثير وملفت ويطرح أكثر من سؤال عن المضمون هل هو نوع من هذيان العقل والفكر حينما تفعل في صاحبها الخمرة فعلتها؟ أم هو نوع من الكتابات التي لا تحصل إلا مرة واحدة وتعد فلتة من فلتات ‘التخميرة’ التي تحصل لصاحبها نتيجة فقدان نماذج الإرشاد التي تتحكم في الوعي والفكر؟
ألم يكتب الأديب محمود المسعدي رائعته “حدث أبو هريرة قال ” وهو في حالة سكر كما ترجح بعض الروايات؟ ألم تؤثر الخمرة في الكثير من الكتاب فأبدعوا لنا أعمالا فنية رائعة ؟ ما يدفعنا إلى طرح هذا السؤال عن علاقة الروح بالخمر غلاف الكتاب وصورة الرجل معصب العينين في دلالة رمزية على أن الذي يتحدث في هذا الكتاب لا يرى رؤية الانسان العادي ولا يفكر كما يفكر عامة الناس العاديين ولا يبصر ما نراه ونشاهده فهو يرى بعين أخرى ومن زاوية مختلفة فـ العصابة على العين هي مفتاح هذا الكتاب..

رؤية أخرى

فـ صالح الحاجة في هذا الإصدار يرى رؤية الصالحين ورؤية المتصوفة ورؤية العابدين فهو لا يرى رؤية العين المجردة وإنما يرى بقلبه وبصيرته هي روحه وضميره ومكنوناته وبذلك فإن صالح الحاجة قد قرر أن يقتحم أسوار المدن النائية البعيدة عن الناس التي تحدث عنها الفلاسفة الوجوديين ورجال الله التائهين في أرض الله بحثا عن الله وقرر أن يخوض مغامرة البحث عن الذات وعن ذاته التائهة من خلال بحثه عن خلق الذات…

ويبدو أن الرجل كان منذ زمن بعيد في رحلة وحيرة من أجل هذا البحث الوجودي وهذا السفر البعيد كما هي عادة الكتاب من أمثاله ألم ينهي هشام جعيط آخر أيام حياته صوفيا ناسكا متعبدا ورجلا روحانيا كل كلامه عن الروح والغيب وأمور أخرى لم يتوقعها منه أحد، بعد ان قضى عمرا كاملا في عالم الواقع والتاريخ والدراسات الفكرية محاضرا كاتبا ومفكرا.
في هذا السفر البعيد بحثا عن ذاته الحقيقية من خلال بحثه عن الله والوصول إلى حالة اليقين التي ارهقته يحملنا معه صالح الحاجّة إلى تجربة اللذة والتقوى وقد سماها صراع الانجذاب إلى المتع والملذات والسمو إلى العالم العلوي أين تسكن الروح والطوق إلى مرضاة الخالق والتصالح مع نواهيه وطاعته ويطرح سؤالا عميقا ومشروعا لماذا لا تتعايش اللذة والتقوى معا؟
ولماذا هذا الصراع بين أيهما أولى بالاتباع ؟ ألا يمكن أن يعيش الانسان في تصالح مع الاثنين معا وبذلك تنتهي عذاباته بين الغواية والوقوع في المحظور وبين صوت الروح والعودة الى النداء الأول في ذلك الزمان البعيد حينما طلب الله من أبوينا آدم وحواء عدم الأكل من الشجرة المحرمة، وهي رحلة قادته بالضرورة نحو معرفة الله معرفة حقيقية صورت الصراع الأزلي المتواصل حتى يرث الله الأرض وما عليها .. صراع بين الجانب الملائكي والجانب الشيطاني في الانسان.. ولا تنسى نصيبك من الدنيا.. والآخرة خير وأبقى.. والباقيات الصالحات خير وأبقى.. هكذا أوصى الله الإنسان بعد أن تعهد الشيطان بغوايته وبأن يقعد له في كل طريق.

معركة داخلية

والسؤال هنا لماذا كل هذا البوح وهذه الصراحة والمكاشفة والاعترافات حول جوانب لا تخص إلا صاحب الكتاب وتخص إيمانه ومعتقده؟ هل كان صالح الحاجة في حاجة الى مثل هذا الحديث الصريح جدا عن جوانب من حياته الروحية؟ هل كان في حاجة الى الإفصاح عن المعركة الداخلية في أعماق نفسه بين عالم اللذة وعالم التقوى ورحلة البحث عن الله والعود إليه في كل مرة بعد شعور عميق وصادق بالندم؟
” أنا غابة من الأحزان والغموض والشكوك والتمزق والضياع ” بهذه الكلمات الحائرة الحزينة ينطلق صالح الحاجة في سفره البعيد وهو رحلة مليئة بالتناقضات والثنائيات المتعبة التي لم يقدر على حسمها .. هي ثنائية المقدس والمدنس الأزلية.. صراع بين وسط ديني محافظ يدعوه إلى الالتزام بكل الطقوس الدينية والانضباط لكل ما هو حلال وحرام في الدين ونفس تدعوه إلى اتباع رغباته بطريقة يتخطى بها كل تلك القوانين والضوابط وهي مأساة كل مسلم في هذا الزمان وفي كل زمان في الداخل والخارج في منطقة رمادية بين بين لا يعرف أي اتجاه يسلك وأي الطرق أسلم له يكون آمنا من دون هزات ولا ارتجاجات نفسية عميقة ليبقى في نفس المكان مكان العجز وعدم القدرة على الحسم..

فهل سبب ذلك و سبب هذه الحيرة ما يعيشه الفرد والمجتمع من أمراض أساسها فقدان المضامين الروحية التي عرفت بها المجتمعات العربية المسلمة وطغيان البعد المادي في كل المجالات مما خلف حالة من التمزق النفسي والروحي والوقوع في مأزق الهوية والانتماء الثقافي ؟

ضياع وتيه

في هذه الوضعية عاش صالح الحاجة مرحلة من الضياع والتيه وفترة من الشرود المؤلم القاسي باحثا عن مخرج وبصيص نور يضيء له وجوده ويزيل عنه عتمته ويعرفه الاتجاه الصحيح نحو مبتغاه.
هل أنا مسلم؟ هل أنا مسيحي؟ هل أنا مؤمن أم أنا كافر؟ أم أنا شيء آخر لا هذا ولا ذاك؟ مرحلة تشتت ذهني خطيرة قادت صالح الحاجة إلى هذا السفر البعيد والطويل وهو رحلة بين الأمنيات المعطلة والبحث عن الذات التائهة وعن من يكون؟ في هذه المرحلة وهو يبحث عن أجوبة لكل اسئلته حاول أن يتجنب الثنائيات القاتلة ويتخطى معركة الخير والشر المعضلة الأزلية التي حيرت الفلاسفة وأن يجد توافقا مقبولا بين اللذة والتقوى فإذا به يقع في صراع آخر ومعركة من نوع آخر صراع أمنيته أن يصلح من نفسه في بيئة لا تشجع على الاصلاح ولا تسمح به ومعركة المحاولات والأماني غير المكتملة، لذلك كان الكتاب مناجاة روحية وحديثا خاصا مع الله ورغبة في التطلع نحو الأفضل وبحثا عن المنطقة التي يجد فيها سكينته الأبدية وطوق نحو الخروج من الكثير من المتاهات والسجون التي تأسره ..سجن الذل والهوان وسجن الانكسار والخوف من المجهول وسجن الشك في كل الموجود ورغبة في تجاوز حالة الضعف الإنساني وعواصف التردد وسجن صراع التوبة كل مرة والعود إلى الخطيئة المتكررة وسجن ارتكاب الذنب وطلب الغفران والصفح واللافت ..
إن صالح الحاجة في كل هذه العواصف التي عصفت به يصف كل ما يحصل له بالحماقات ويعترف بأنه هو المسؤول عن انهياره أمام الشهوات والملذات التي جلبت له هذه الحالة من الشك والحيرة واللا يقين والعجز والتيه والضياع.

حيرة قاتلة

بعد حالات الحيرة القاتلة وطرح السؤال ومحاولة إيجاد منطقة وسطى بين الثنائيات والتناقضات ورحلة قصيرة قادته إلى التعرّف على المسيحية التي كادت أن تجعله يُغيّر دينه ويترك إسلامه وتجعل منه مسيحيا نجده يجد طريقه يعثر على ضالته التي أعادته إلى حظيرة إيمانه الأول وبقائه مؤمنا مسلما ويعلن بصوت عال وبكل وضوح أنه عثر على الله لقد عثر عنه فيما يعيشه من هذا الحب الذي يغمر الوجود بأكمله والحياة .. عثر عن الله في هذه الكائنات والمخلوقات وجمال الطبيعة التي أحبها فوجد خالقه فيها عثر عنه في هذا الضعف الإنساني الذي يعرفه وهذا الضياع بين منازع الخير والشر وصراع اللذة والطاعة وقاده هذا الحب الإلهي إلى أن جعله يسبح في بحر من العبادة الروحية وأن تتحول عبادته إلى حالة من الحب الجنوني لله وأن تجعل منه المجنون والمجذوب والمسكون والطائر المسافر والشاعر والثائر وأن يكون مذهبه وملته هذا الفيض الكبير من الحب الإلهي المبثوث في كل الوجود وفي كل المخلوقات وحتى في الأمور التي نراها متناقضة وهي حالة روحية لا يعرفها إلا من عاشها تجعل صاحبها في حالة من السكر وهو لم يشرب الخمرة المحرمة يفقد فيها وعيه وتوازنه ويغوص في عالم آخر من الانتشاء غير معروف عالم من الحب الجنوني ومعرفة أخرى لا نعرفها يحصل فيها نوع من التخميرة الفكرية والنفسية والحسية أعاد بها بناء ذاته وتشكيل وعائه بعد أن أفرغه من شوائبه وقام بعملية ملء من جديد منطقة لا شيء فيها فراغ في فراغ وهدوء شامل وأفق غير محدود نداء الطمأنينة والكف عن السؤال وكل الأسئلة الأزلية.

رحلة شيّقة وخطيرة

تنتهي هذه الرحلة الشيقة والخطيرة في نفس الوقت التي تابعناها مع الأستاذ صالح الحاجة باعتراف جميل أنهى به كل معاناته وهي معاناة الكثير من أمثاله من الذين يقرؤون كثيرا ويفكرون كثيرا ويكتبون كثيرا، ويتأملون كثيرا ويسألون كثيرا وقناعة حصلت له بأنه مخلوق عاجز محدود القدرات غير قادر على فك ألغاز الوجود ولا يمكن له بوسائله المحدودة ومعارفه غير القادرة مهما بلغت من تطور أن يرى القادر الأزلي، لذلك فلا داع إلى أن يشغل باله وعقله ووقته بعد اليوم بما لا يستطيع إدراكه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى