صالون الصريح

علمتني الصحافة..

كتب: صالح الحاجّة

هاك العام وانا في مدينة اتلانتا الامريكية تعلمت أن الإعلام بحر عميق من يدخله مفقود ومن يخرج منه مولود…

بحر لا ينجو منه إلا من يُحسن السباحة بمهارة …ويخطئ من ‘يتقوى على بدنو’ ويرمي نفسه في البحر وهو لا يحسن السباحة …ولذلك إذا غرق ..او اذا التهمته التماسيح …ذنبه على جنبه …

منذ الصباح الباكر حملت أوراقي وقلمي وذهبت الى مقر قناة الـ “سي.أن.أن.” وقبل أن أدخل وقفت أمام البناية الشاهقة والجميلة لاتفرج على احدى ماكينات قيادة الرأي العام العالمي ..
وتساءلت: كيف لبناية كهذه أن يخرج منها كل هذا البخار الذي يستولي على عقول الناس في الشرق والغرب ..
تساءلت ..وتساءلت …وفجاة هزتني يد المرافق وجيه النحال وقادني نحو المدخل …
دخلت لأجد نفسي في ما يشبه المغازة تعرض شتى الملابس والاحذية الرياضية والتذكارات والتماثيل الصغيرة والأدوات الرياضية ولكن هناك اسم يوحد بينها ..
إنه الــ ‘سي .أن.أن’ ..
كل سلعة من هذه السلع مكتوب عليها ذلك الاسم الذي تحول الى علامة تجارية …
واقبلت نحوي حسناء اطول مني وقدمت لي قبعة من قبعات الكاوبوي وقالت لي وهي تبتسم ابتسامة القمر (في كمالو):
هذه هدية تذكار من ” سي .ان .إن ” التي ترحب بك …
ثم قادتني هذه الفتاة الى المصعد الذي حملني الى الطابق الثاني حيث وجدت عدة مطاعم ..وعدة مقاهي ..ومكتبة جميلة ..
وكان هذا الطابق عبارة عن حي من الأحياء الباريسية الراقية ..
ادخلوني الى مقهى وطلبوا مني ان كنت ارغب في تناول قهوة ..
جلست وانا اتساءل :
ما العلاقة بين السوق …والمحلات التجارية ..وقناة تلفزية؟
غريب جدا ان تبيع قناة تلفزية خاصة الـ ” تي شورت ” ..والـ ” بيتزا ” ..والقهوة …والمرطبات ..
غريب بمنطقي انا ..اما بمنطق ‘البيزنس’ فأمر طبيعي جدا ..
و’البيزنس’ هو الذي يحرك كل شيء في أمريكا ..
يحرك البيت الأبيض …ويحرك الأسواق…ويحرك الصناعة …ويحرك الامبراطوريات …ويستولي على العقل الامريكي العام ..
لا شيء خارج هذا المنطق..
إن الحياة في أمريكا هي البزنس..
والبزنس هو البزنس ..
لا تقل لي انت فقير او انت عاجز او انت محتاج أو انت ضعيف او انت لا تتقن اللعبة ..
وليس لك خيار ..تكون او لا تكون ..
تستطيع أو لا تستطيع …
ولذلك جاء اوباما في حملته الانتخابية بشعار: نعم …نستطيع ..
انه شعار من قاع الخابية الامريكية ..
شعار يلخص لك التجربة الأمريكية ..
ومن الطابق الثاني صعدت الى الطابق الاخير حيث وجدت القناة ..حيث اللعبة التلفزية على قدم المساواة ..
ومن خلف البلور رأيت كيف ينتجون البرامج …وكيف يتلقون التقارير الاخبارية …وكيف يبثون …وكي يستجوبون الضيوف ..
لفترة زمنية طالت بعض الشيء تابعت تفاصيل اللعبة التلفزية التي بدأها صحفي أمريكي اسمه “تيد ترنر ” ولكن عرف كيف يقدم الجديد والمثير وغير العادي ونجح نجاحا باهرا ..
لقد انطلقت القناة من فكرة غير مسبوقة وهي تقديم الأخبار على مدار الساعة، وقد قلدتها فيما بعد عدة قنوات أبرزها قناة
‘الجزيرة’ القطرية ..
وصار هذا الصحفي من ابطال امريكا …
والبطولة صناعة امريكية تحرص عليها أمريكا حرصها على الاحتفاظ بقوتها ..
والأبطال هم الذين يجددون مجد أمريكا ..
زيارتي الى مقر الـ ” سي .أن.أن. ” دوختني وجعلتني احلم ..
ولكن الاحلام في حياتي اوهام …
لا أحلام لمن ليست لديهم أسنان ومخالب واظافر ..
واحلامك إما أن تصعد بك الى السماء السابعة وإما أن تنزل بك إلى ما تحت القبر ..
وعلى من لا اجنحة له أن لا يحلم …

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى