علمتني الصحافة..

كتب: صالح الحاجة
في أواخر سبعينات القرن الذي مضى وأنا رئيس تحرير جريدة ‘الصدى’ الأسبوعية ثم النصف اسبوعية جاءتني رسالة من قارئ قال انه يعاني من الوحدة ويعيش مشكلة نفسية، ويكاد يكون جثة هامدة تتحرك..حياته لا طعم لها ..ووجوده لا معنى له ..
نشرت الرسالة كاملة لأنني وجدت فيها قصة انسانية …والصحافة تبحث عن القصص التي تحكي عن الواقع …
وبعد أيام وصلتني رسالة ثانية من هذا القارئ …ثم ثالثة ..فرابعة …وبعد فترة قصيرة مكنت هذا القارئ من مساحة اسبوعية قارة في الجريدة ..ولم يخيب املي فلقد كان يكتب كتابة جيدة ..
وخلال سنوات أصبح هذا القارئ من أبرز الكتاب الصحفيين وأصدر عدة كتب قيّمة وأنتج عدة برامج إذاعية ..
والاهم من كل ذلك شفي الرجل من مرضه وانتصر على وحدته وهوسه وهمومه وخرج الى الفضاء الأوسع وكسب الرهان واستعاد حريته ..
كل ذلك حققه بممارسة الكتابة ..
إن الكتابة تشفينا من أمراضنا …وتمكننا من ممارسة الحرية …وتزرع في نفوسنا الثقة بالنفس ..
ومن يجرب الكتابة يدمنها …ويعشقها …ويصبح اسيرا لها …ويرى فيها الحبيبة التي لا تخون …والعشيقة التي لا تغدر …والصاروخ الذي يصعد بواسطته الى القمر …والمفتاح السحري الذي يفتح في وجهه ابواب الخير وراحة البال والاستقرار النفسي ..
ولا شيء كالكتابة يطهرك من الداخل ويرتقي بك ويجري لك عمليات جراحية دون ان تحتاج الى جراحين ومصحات …
يقول محمد الماغوط : انا اكتب ..انا انزف ..
ويقول فرانز كافكا :
الكتابة ليست عملا..انها نجاة ..
وتقول مي زيادة :
تعذبني الفكرة ويؤنسني الحبر ولولا الورق لأصابني الجنون ..
ويقول غابرييل ماركيز :
الكتابة فن يتطلب الصبر مثل الحب ..
إذن لا تستغرب إذا رأيت من يكتب دون توقف ويتخذ من الكتابة مهمة يومية …ومن يؤلف الكتب والقصص لا طمعا في المال بل بالعكس هو من ينفق على طباعة ونشر كتبه ..
لا تستغرب مطلقا..فمثلما هناك مجانين القمار ..ومجانين الكرة …ومجانين الطبخ والاكل ..هناك ايضا مجانين الكتابة ..
أما الكتابة عندي فهي الترياق الذي انتصرت به دائما ضد محاولات تسميمي ..
لقد سمموني كثيرا وفي كل مرة كانت الكتابة مركب نجاتي ..
إذن : أنا أكتب لكي لا اتسمم بسموم الحقد والكراهية والرداءة والتفاهة ..
شكرا لقلمي الذي يكتب ولا يتعب ..
واتمنى ان لا يخونني هذا القلم الكافي والشافي …




