لطفي بوشناق..الصرح الشامخ والصوت المـُقاوم

كتب: عز الدين الباجي
لا يمكن أن تتجاهل النجاح، بل نجاحات متتابعة، في كل مهرجان يحلّ به هذا الصيف، ليؤكد أن حضوره الفني ما زال متوهّجًا كما كان، وأن صوته قادر على جمع القلوب حوله كما يجمع المايسترو أنغام الأوركسترا في لحظة انسجام ساحرة.
البُن الممزوج برائحة البحر
كتبت عنه ذات حفل في مقهى ثقافي بضاحية الزهراء الجميلة، عند صديقنا المثقف، مدير الإذاعة الوطنية سابقًا، خالد بن فڨير، الذي أشرف على مهرجان الزهراء في صيف بعيد.
كان المكان يومها يعبق بالبُن الممزوج برائحة البحر، فيما تتعانق أنغام العود مع همسات الحضور كأنها رسائل سرّية تتسلل إلى الروح، وتفتح للذاكرة أبوابًا لا يُعرف لها نهاية. هناك، التقت اللحظة بالحلم، وامتد الكلام ليغدو رحلة في فضاءات الإبداع؛ رحلة لا تحتاج لجواز عبور سوى نبض القلب وصدق المشاعر، رحلة يختلط فيها الانفعال بالحكمة، والفرحة بالمعنى، واللحظة بالمطلق.
من وحي الانتشاء
حمل مقالي حينها في جريدة الصريح عنوانًا يختصر الجوهر: “لطفي بوشناق… بوصلة الإبداع”. غير أن حروف ذلك المقال بالذات جاءت من وحي الانتشاء والإطراب الذي هزّ وجداني في تلك الليلة، فوجدتني أكتب بمهجتي التي سيطرت على عقلي، وأستسلم لسيل عاطفة لا يعرف المهادنة، كأن القلم صار وترًا إضافيًا في فرقة بوشناق، يصدح بلغتي كما يصدح صوته بأغانيه، وينسج لحظة استثنائية من الجمال والإحساس؛ لحظة تتجاوز الكلمات لتصبح تجربة وجودية مشتركة بين المبدع والحاضرين، بين الصوت والروح، بين النغمة والذاكرة، بين الحياة والفن.
بعد 20 عاما…
وعشرون عامًا مضت على تلك الليلة الحالمة، ما زلت أواصل مراقبة هذا المبدع الذي عرفته منذ أكثر من أربعة عقود، والذي لم تزده السنون إلا إصرارًا على مواصلة رحلة الصعود إلى عوالم الإبداع، في زمن عنوانه تفاهة المعنى وثقافة اللا معنى. صوته صدى لا يشيخ، وكلماته جسور بين القلب والفكر، بين العاطفة والوعي، بين الإنسان والوجود. كمن يعزف على وتر الحياة ويغني لوجود لا ينتهي، يفتح لنا أفقًا لا يقاس بالزمن، ويمنحنا فرصة نادرة لنرى الفن في أبهى صوره: صادقًا، نقيًا، ومقاومًا لكل ضوضاء العالم.
غنى للإنسان أينما كان
كلما شاهدته على الركح، شعرت أنه يستحضر كل ما عاشه من تجارب، وكل ما التقطه من نبض الشارع وقضاياه. غنى للحب والسلام، وللإنسان أينما كان، وللقضية الفلسطينية التي حملها معه أينما حلّ. يزن الكلمات كما يزن الذهب، ويمنح كل نغمة حقها من الشجن أو الثورة، وكل مقام حقه من الحرية، ليصبح الفن عنده مرآة للزمن، وحكاية للحياة، ورسالة للروح.
سرّ سحره أنه لا يطارد الأضواء، بل يجعلها تأتي إليه. لا يساوم على فنه، ولا يخضع لعجلة الزمن. فالأغنية عنده ليست مجرد صوت، بل قيمة إنسانية ومعرفية، وحضن للحقيقة وسط عالم يفرّط بالمعنى، وموقف ثابت في وجه التفاهة. وها أنا أتابع محطاته في مهرجانات كبرى في هذه الصائفة، فأرى لفخامة الاسم رونق الحضور، ولجلال النغم سحر البوح بما تختبئ وراءه المشاعر، فينطقها آهات وزفرات وأنّات، وكأنه يطبّب ما تراكم فينا من أوجاع الحياة وضغوطها.
لطفي بوشناق صديق عزيز، قد يعز علينا اللقاء المتواصل لظروفه وظروفي، لكن حين تمنحنا الأيام فرصة الحديث، حتى عبر الهاتف، تتحول اللحظة إلى حكايات ألف ليلة وليلة، وتجول بنا في عوالم الموسيقى والذكريات والمواقف، حيث لكل نغمة صدى، ولكل ذكرى أثر، ولكل كلمة حكمة، فتنبض المحادثة كما تنبض أنغام صوته بالحياة.
تجربة وجودية
هو ليس مجرد مطرب، بل تجربة وجودية وفعل ثقافي ينبض بالفن الأصيل، يذكرنا أن الفن الحقيقي لا يشيخ، وأن الصوت الذي يولد من صدق القلب قادر على الصمود أمام الزمن، ليصبح خيطًا ممتدًا من الجمال والمعرفة والإحساس، ويعلّمنا أن الإنسان والفن والحرية متلازمون في صرح واحد؛ صرح يسمو فوق الضوضاء، ويصمد أمام زمن تسطو فيه التفاهة على بريق المعنى.
لطفي بوشناق… الصرح الشامخ، الصوت المقاوم، صوت يتجاوز حدود المسرح، ونغمة تتخطى زمانها، وفعل فني يذكّرنا أن الإنسان يمكنه أن يحيا الجمال والحب والحرية في كل لحظة، مهما ضاقت به الدنيا، ومهما حاولت ثقافة التفاهة إقناعه بخلاف ذلك.




