صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: رحلتي مع صالح الحاجّة

slama
كتب: نوفل سلامة

لم أكن في نيتي أن أكون صحفيا ولا كاتبا كما لم أكن أرغب في دراسة علوم الإعلام والصحافة، ولكني كنت مغرما بالقراءة والمطالعة وأهوى الكتابة منذ الصغر..

كنت أرغب في أن أصبح أستاذا أو معلما أو ربما موظفا في مؤسسة من مؤسسات الدولة له مكتب وملفات وهاتف.. كانت هذه أحلام الصغر، ولكن الأقدار حملتني إلى كلية الحقوق بعد حصولي على شهادة البكالوريا وتغيير اختيار التوجيه الجامعي من كلية الآداب إلى كلية الحقوق وتلك قصة أخرى..

تغيير الوجهة

المهم أتممت المرحلة الجامعية وتحصلت على الإجازة في الحقوق، وكانت النية أن أصبح إما قاضيا أو محاميا لكن الوالدة ـ أعزها الله ـ كان لها رأي آخر فرض عليّ تغيير وجهتي مرة أخرى نحو الوظيف لألتحق بـ الوكالة العقارية للسكنى في أوائل التسعينات من القرن الماضي ومنذ تلك الفترة فكرت أن أكتب مقالات في المجال الحقوقي وأتناول بالتحليل بعض المسائل القانونية فكانت تجربة قصيرة مع جريدة الصباح التي نشرت لي جملة من المقالات المتخصصة وكانت هذه المحاولات هي التي مثلت البدايات الأولى في علاقتي بعالم الصحافة.

وصادف أن ظهرت خلال سنة 1995 جريدة ساخرة كانت تصدر أسبوعيا تحمل اسم الصريح اقتنيت منها عددا فشدني إليها أبوابها، وما تنشره من مقالات وطريقة توزيع المواد المنشورة وطريقة الإخراج واختيار الألوان .. في ذلك الظرف اندلعت الحرب بين البوسنة والهرسك بعد تفكك دولة يوغسلافيا وانهيار الكتلة الشيوعية وما نتج عن ذلك من انتهاكات ومجازر كبيرة بحق المسلمين من البوسنيين…
فكرت أن أكتب شيئا عن هذه الأحداث وأقدم مناصرة ولو متواضعة لهذا الشعب المسلم في عملية تضامن ودعم لقضيتهم فكتبت مقالا قصيرا سميته ” واسكندراه ” في إشارة إلى شخصية الإسكندر الأكبر استلهمت العنوان من قصة تلك المرأة المسلمة التي أطلقت صرخة إستغاثة في زمن الخلافة العباسية وجهتها الى الخليفة المعتصم بالله تطلب منه النصرة لما تعرضت له من اعتداء على أيدي الروم فجهز لها جيشا أوله في مدينة عمورية التابعة وقتها للإمبراطورية البيزنطية وآخره في بغداد وذلك بعد أن حصل التخاذل الإسلامي في نصرة المسلمين البوسنيين.

المنعرج الكبير

المهم المقال القصير أرسلته إلى جريدة الصريح في ظرف عن طريق مركز البريد ونسيت الأمر ولم أكن أظن أن هذا المقال الذي لم تتجاوز أسطره الصفحة أن ينشر ولا أن يلقى اهتماما من طرف صاحب الجريدة الأستاذ صالح الحاجّة الذي لم أكن أعرفه من قبل.
ونشر المقال وكان نشره بمثابة المنعرج الكبير في حياتي جعلني اقتنع أنه بإمكاني أن أكتب في مجالات أخرى غير الكتابة القانونية وفكرت أن أغير اهتماماتي إلى الكتابة الفكرية والاجتماعية والسياسية، ولكن المشكلة الكبيرة التي أخافتني هي أن المقال الصحفي على خلاف المقال القانوني له تقنياته وأدواته ومنهجيته المختلفة وأنا لا أمتلك هذه الوسائل..

قضايا جدلية ونقاش حيّ

ترددت في البداية ثم قررت بعد تفكير أن أخوض التجربة و هذه المغامرة الصعبة فكان المقال الأول في جزءين بعنوان ‘إشكالية تغيير خلق الله’ تم نشره في صالون الصريح خلال سنة 2007 بعد أن تحولت الجريدة من الصدور الأسبوعي إلى الصدور اليومي ناقشت فيه قضية شغلت الرأي العام التونسي وقتها تعلقت بالقضية التي أثيرت في القضاء التونسي بسبب رفض إحدى المحاكم طلب أحد الشبان تغيير اسمه بزيادة تاء التأنيث بعد اكتشافه أنه انثى وليس ذكرا…
ثم تتالى نشر المقالات في جريدة الصريح الورقية بمقال كل يوم وكان صالون الصريح وقتها فضاء للفكر والحوار والنقاش يعجّ بأسماء كثيرة من مشارب فكرية مختلفة تناوبت على الكتابة وشكلت مقالاتها الثرية حراكا فكريا لافتا وأثث جدلا مهما أهّل الجريدة لأن تصبح الأولى في تونس وخلقت مناخا ثقافيا مهما شدّ إليه عموم الشعب التونسي وتابعه باستمرار رجال السياسة في الدولة.

صُحبة فكرية

من الأسماء التي شكلت وقتها العمود الثابت في الصالون وجمعتني بهم صحبة فكرية اعتز بها أذكر شيخنا وأستاذنا القدير محمد الحبيب السلامي الذي ناقشته وناقشني في عديد القضايا والأستاذ أبو ذاكر الصفايحي الذي جمعني معه جدل كبير في قضايا دينية متعددة منها قضية حجية السنة النبوية في التشريع والأستاذ بدري المداني ونقاشي معه حول التصوّف ومحمد المي وجدلي معه حول الطاهر الحداد وأبو القاسم الشابي و المؤتمر الافخارستي وصديقي المحترم الأستاذ الطاهر بوسمة الذي أثرى الصالون بإسهامات ممتعة فيما حصل في الزمن البورقيبي وكل القضايا السياسية والفكرية التي طبعت تلك الفترة من تاريخ تونس المعاصر وصديقي الأستاذ عيسى البكوش أو الدستوري الديمقراطي كما يحلو أن يسمي نفسه ومقالته حول الشخصيات الوطنية التي أثرت في تاريخ البلاد و تناستها الذاكرة و غيرهم كثير..

معارك فكرية

كما لا أنسى معاركي الفكرية التي احتضنها صالون الصريح مع الأستاذة ألفة يوسف ويوسف الصديق والمرحوم الدكتور هشام جعيط في قضايا حضارية وفكرية وتاريخية مختلفة. ولا أنسى التغطية الأسبوعية التي كنت أعدها وتنشرها الصريح للكثير من الندوات الفكرية التي كانت تعج بها البلاد بعد الثورة وخاصة مواكبتي لنشاط مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات لصاحبها الأستاذ عبد الجليل التميمي أدام الله في أنفاسه.
كما قلت لم أكن أعرف الأستاذ صالح الحاجة ولم أطلب من أحد أن يتوسط لي عنده حتى أكتب في جريدته فـ ولوج عالم الصحافة ليس في متناول أي كان فما بالك بـ اسم غير معروف قادم من مجال القانون واختصاص الحقوق ولا يتقن أدوات الكتابة الصحفية، ولكن شهادة للتاريخ فإن صاحب الصريح قد فتح لي هذا المجال واحتضنني لأن أكتب و أطور مهاراتي في الكتابة الصحفية ويعود له الفضل أن أصبحت مهوسا بالكتابة ومولعا حد الإدمان بالصحافة.

هاتف..فلقاء

وفي أحد الأيام من صائفة سنة 2008 هاتفني الأستاذ صالح الحاجة وطلب رؤيتي فكان اللقاء في مقهى بحي الغزالة لم أكن أعلم سر هذه المقابلة ولا فحواها ولكن المفاجأة أن الرجل أراد رؤيتي للتعرف عليّ و ليعلمني أني أصبحت معروفا والكثير من القرّاء يسألون عمن أكون وكانت هذه الانطباعات قد فاجأتني و أخافتني ولكن في نفس الوقت كانت حافزا كبيرا لمزيد الكتابة فأنا مجيئ إلى عالم الكتابة الصحفية لم يكن من أجل الشهرة ولا بغاية المال، وإنما من أجل أن أمارس هوايتي في الكتابة لا غير ومنذ ذلك اللقاء تواصلت رحلتي مع صاحب صالون الصريح وهي متواصلة إلى اليوم عبر الصريح أون لاين.

هي الأقدار..

ما أردت قوله إني لم أكن أنوي أن أكون يوما صحفيا ولا كاتبا، ولكن الأقدار حملتني إلى هذا العالم وقادتني إلى أن أتعرف على صاحب الصريح وأن اقتنع إنه بالإمكان لشخص قادم من غير عالم الصحافة أن يصبح كتابا صحفيا ولا زلت أسأل نفسي هل أفادتني دراستي للقانون وما تعلمته في كلية الحقوق من منهجية علمية في تحليل النصوص القانونية لأصبح في يوم من الأيام صحفيا وكاتبا؟ أم أن الظروف التي جمعتني بصاحب الصريح هي التي حولت وجهتي من القانون إلى الإعلام لتجعل مني كاتبا في عالم الصحافة؟
ما أردت قوله في هذه الرحلة الممتعة في عالم الصحافة والكتابة الصحفية أنه لولا الصريح وصالونها الفكري والثقافي لما تعزز ولعي بالكتابة إلى الحد الذي جعل منها بمثابة الاكسجين للحياة..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى