صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب: فضيلة خيتمي (1900-1992) ‘فنانة الفنّانين’

issa-bakouche
كتب: عيسى البكوش

مَنْ مِنَ المتقدّمين أو المتأخّرين له علم بمريول فضيلة؟ هم كُثُر…ولكن مَنْ منهم يعلم أنّ فضيلة هذه إنما هي الفنانة فضيلة خيتمي…هم قليلون.
فهي التي لبسته أوّل مرّة فعُرّفت به وعُرف بها حتّى طار ذكره في الآفاق.

البدايات

هذه الفنّانة التي ولدت مع انبلاج القرن العشرين و زاولت تعليمها الابتدائي بمدرسة نهج الباشا والثانوي بمعهد نهج مرسيليا (Paul Cambon سابقا) عائشة بلاغة حاليا، ينعتها صديق والدتها الفنانة المطربة نسرية، والشاهد على ذلك العصر المنعّم عبد العزيز العروي (1898-1974) بـ “فنانة الفنانين”، وهي التي بدورها لقبته بما أصبح جاريا على الأفواه “بابا عزيز”.

العروي يكتب عن فضيلة خيتمي

كتب عنها بإطناب في جريدة “Le petit matin ” في الثلاثينيات، ومنها في عدد 10 جويلية 1932 عند تدشين قاعة بن سلامة في الباساج: ‘من وراء شبابيك التذاكر المغلقة وأمام جمهور منتشي أسعدت فضيلة على امتداد ثلاث ساعات الحضور الذي لم يبخل عليها بالتصفيق والهتاف’.

أفكار جريئة

وفي عدد يوم 7 جويلية سنة 1937: “إنّ فضيلة هي صاحبة الأفكار الجريئة والمتقدّمة” إذ أنّها أنشأت فرقة تشبه الفرق الكوبيّة مع ثلّة من الشبّان يرتدون زيّا موحّدا ويعزفون على آلات الأكرديون والسكسفون والكلارينيت والباتري فأبهرت الجمهور كما أبهرته بأداء الأغاني التي نظمها خصّيصا لها الشاعر الهادي العبيدي، ولقد صاحبها بالتلحين سيّد شطّا (1911-1985).
لقد شقّت طريقها بين فنانات عصرها من أمثال حبيبة مسيكة (1893-1930) التي فتحت لها المجال بعد موتها في عزّ الشباب بالتألق، وشافية رشدي (1910-1989) التي قاسمتها التمثيل في مسرحية Le maître de forges وفتحية خيري (1916-1986) التي مثلت معها في مسرحية La belle passion ضمن فرقة المستقبل التمثيلي بحسب ما ذكر الصديق عبد الستار النقاطي في كتابه ” ثمانون من مشاهير الإذاعة”.
إذن نشطت فضيلة خيتمي على ركح المسرح فأجادت وتقمّصت أدوار البطولة كما كان الشأن في مسرحيّة ” كليوباترا” لأحمد شوقي و”ستّ البدور” وهي أوبيريت من تلحين سيّد شطا (1897-1985) والبشير الرحّال.
ولقد قدّمت هذه المسرحية لأوّل مرّة على خشبة المسرح البلدي بالحاضرة يوم 25 نوفمبر 1934 بمصاحبة تخت بقيادة الموسيقار محمد التريكي (1900-1998) “فنّان تونس الفذّ” بحسب المعلقة الإشهارية لذلك الحدث.

فنانة شاملة

هي فنانة شاملة بمعنى أنّها تمزج بين الغناء والتمثيل، ولقد أنشأت فرقتين: الأولى موسيقية سنة 1929 كان يعزف فيها الفنان المصري حسن بنان (1885-1969) الذي استقر في مدينة أريانة، ولقد سافرت عام 1930 إلى برلين لتسجيل بعض أغانيها ومن بينها: ” متلحفة والزين زاد عليها *** السر والكمون في عينيها”، ثمّ الثانية وهي التي برزت بالخصوص عند افتتاح الإذاعة عام 1938 فلقد دعاها المنعم نور الدين بن محمود (1914-1990) المسؤول آنذاك على القسم العربي لتقديم روايات عبر الأثير وخصّص لها يوما في الأسبوع للغرض هو الاثنين، ويذكر المنعّم توفيق بوغدير أنّ السيدة فضيلة قدّمت له على الأثير أوّل مسرحيّة من تأليفه “عمّ رمضان في رمضان”.

مجلس الأربعاء

إلى جانب ذلك فلقد كان لها مجلس ينتظم كلّ أربعاء في قاعة أحدثتها للغرض ويحضره أبرز أدباء ذلك العصر من أمثال عبد الرزاق كرباكة (1903-1945) والهادي العبيدي (1911-1985) وجلال الدين النقاش (1910-1989)، ثمّ يحدث ما لم يكن له حسبان سنة 1944 إذ يقوم الشاعر مفدي زكريا (1908-1977) باستدعائها لإحياء حفل بالجزائر فتفضّل البقاء هناك إلى غاية عام 1956 وتكلّف في الأثناء بإدارة قسم الموسيقى بإذاعة المكان، ثمّ كمثل الطيور المهاجرة تعود إلى الوكر الحنون وتلتحق مجدّدا بالإذاعة وتقدّم إلى جانب السيدة المحرزي وناجية ثامر “حصّة المرأة” ثمّ لوحدها برنامج “بيني وبينك” إلى أن تُحال على شرف كلّ المهن التي مارستها فأعطت من وجدانها وأبدعت وشنّفت”.

وداعا فضيلة خيتمي

هذا ولقد حضرت صحبة فتحية خيري حفل التكريم الذي أقيم بكازينو البلفدير غرّة جويلية 1932 على شرف الجوق المشارك في مؤتمر الموسيقى العربية بالقاهرة والمتكوّنة من خميس ترنان ومحمد بلحسن ومحمد غانم وعلي بن عرفة وخميس العاتي.
ولقد نشر الصديق المختار المستيسر في كتاب ‘نشأة الرشيدية’ الصادر عام 2014 -صفحة 94- صورة لهذا الحفل حيث تتربّع الفنانة فضيلة في الصفّ الأمامي.
لقد أحدثت سنة 2016 بمناسبة أيّام قرطاج للموسيقى جائزة فضيلة خيتمي لأحسن أداء.
وافاها الأجل المحتوم يوم 12 جانفي 1992 ودفنت رحمها الله بمقبرة الجلاز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى