صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب: الرفيق هشام بوقمرة (1941 ـ 2025) كما عرفته

ISSA BACCOUCH
كتب: عيسى البكوش

‘عيناك وردتان
قد نثر الخريف فوق الرابية
إحداهما
واندثرت في ريف قلبي الثانية’
لقد غيّب الموت يوم 19 جوان 2025 صاحب هاته ‘المعزوفة’ هشام بوقمرة المولود في 21 فيفري من سنة 1941 بمدينة الوردانين بالساحل التونسي.

ثلاثي التكوين

هو ثلاثي التكوين الأكاديمي: الزيتونة حيث أحرز على التحصيل سنة 1958 فـ جامعة بيروت حيث تحصل على الإجازة في اللغة والآداب العربية عام 1962، ثمّ جامعة السوربون حيث نال شهادة الدكتوراه المرحلة الثالثة عام 1966 ودكتوراه الدولة عام 1973 وكان موضوع أطروحته: “تعليم اللغة والأدب في المدرسة النظامية ببغداد” ولقد نشرها سنة 1983 مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية الذي التحق به غداة عودته إلى أرض الوطن.

أيام في باريس

تعرفّت عليه في باريس في خضمّ النضال الطلابي في ستينات القرن الماضي ولقد انضممنا سويا إلى لجنة تنسيق الطلبة الدستوريين في أوروبا.
لم يمنعه انتماؤه إلى الفكر القومي من الانخراط في صفوف الحزب الدستوري.
لقد كانت تربطه علاقات وثيقة مع العراق ولقد تطوّع مترجما عند زيارة الرئيس عبد السلام عارف إلى فرنسا، كان مهووسا بالقضية اللغوية في تونس وأعدّ في الغرض سفرا صدر عن مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية عام 1984.
ورغم إتقانه للغة الفرنسية فقد كانت عربيّته متينة وكان بفضلها يدير كمّا هائلا من الحوارات مع مثقفين من المشرق والمغرب حينما اضطلع بمسؤولية إدارة البرامج في الإذاعة والتلفزة من 1979 إلى 1981.
كما أنه كتب المقالة والقصّة القصيرة والسيناريوهات ومن أشهرها مسلسل “وردة”.

أصدرت له منشورات “الألكسو” حين كان خبيرا لديها فصولا عن التطور الثقافي في الوطن العربي في سنوات 1981 و 1983 و1985.
له دراسات وتحقيقات في التراث، نظم الشعر وحقّق ديوان الشاعر ابن الخلوف الصادر عن الدار العربية للكتاب سنة 1988 وانضمّ إلى اتحاد الكتاب التونسيين سنة 1981.

من مؤسسي الرابطة

وهو إلى جانب هذا العطاء الفكري والأدب الزاخر أحد مؤسّسي الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والحريات التي انبعثت يوم السابع من ماي سنة 1977 وانضمّ إلى مكتبها المدير برئاسة المنعم الدكتور سعد الدين الزمرلي ومعيّة ثلة من قدماء مناضلي اتحاد الطلبة مثل الأساتذة عبد الحميد العموري والدالي الجازي والشريف الماطري ومنير الباجي.

نص شهير

غداة السابع من نوفمبر 1987 الذي وقع فيه عزل الرئيس الحبيب بورقيبة من قبل وزيره الأوّل زين العابدين بن علي تهيأ لي صحبة ثلة من المثقفين الدستوريين إعداد نصّ حمل عنوانا برنامجا “من أجل مشروع لمجتمع جديد” ولقد بادرت بدعوة الرفيق هشام بوقمرة للانضمام لبقية العشرة وهم عياض عمار وعياض النيفر ورؤوف بن عمار وعمر السعيدي والمنصف المؤدب وعز الدين العربي وأحمد الهرقام وحسن كمون.
ولقد تمّ نشر هذا النص في جريدة لابريس بتاريخ 21 نوفمبر 1987 ثم أعيد نشره في السنة الموالية باعتباره من أحسن النصوص في وقتها على الرغم من حفيظة البعض و اتهامنا بإعطاء الدروس عندما حذّرنا ‘الحاكم الجديد’ من مخاطر التزلّف عند بعضهم في الإعلام وقدرتهم على التأقلم مع كل جديد”
« Le danger le plus pernicieux qui guette ce qui devrait être la nouvelle marche du peuple Tunisien, c’est la capacité de récupération d’une « espèce » politique dont la spécialité justement est la flatterie dans le plus parfait cynisme.
Ces « spécialistes » continuent à sévir dans les médias. Il est impératif de condamner ces mœurs et de faire en sorte que ceux qui ont fait des armes de carrière et de réussite soient hors d’état de continuer à nuire ».
وبعد لأي طلب الوزير الجديد للشؤون الثقافية والإعلام ـ وهو أحد رفاقي في المكتب التنفيذي لاتحاد الطلبة الذي ترأسه من 1961 إلى 1971 ـ من المثقف هشام أن يتولى خطة المستشار لديه فأبى فهاتفني الوزير وطلب مني التدخل ففعلت ولكن “العشرة” لم تعمّر بينهما، ولعلّ مردّ ذلك أنهما كانا بمثابة الخطين المتوازيين اللذين لا يلتقيان وإذا ما التقيا فحسب القولة المأثورة للرئيس قائد السبسي فلا حول ولا قوة إلا بالله.. أو بالأحرى “في كلمة كما في مائة” هو البون الشاسع بين تطلعات الفكر نحو السماء وما أضحى يسمّى
بـ إكراهات الحكم فوق الأرض.
رحم الله الفقيد العزيز ورزق أهله وذويه ورفاقه جميل الصبر والسلوان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى