كمال رؤوف النقاطي… إنصافه ليس منّة، بل واجب..

كتب: عز الدين الباجي
حين يُولد الصوت وفيه شذى الياسمين ودفء المواويل، فاعلم أن صاحبه لم يكن عابرًا في دروب الغناء، بل مقيمًا في وجدان الناس، ناثرًا نغمه كما تنثر الريح العطر في مساءات تونس.
كمال رؤوف النقاطي، ذلك العصفور الذي غنّى قبل أن تُغويه الأقفاص، شكّل صوته من خيوط الشمس السبّعينية، وسكب فيه ما حصّله من ثقافة ورحلة وعشق للفن الأصيل.
هو ابن زمنٍ كانت فيه الأغنية قصيدةً تُحفظ عن ظهر قلب، لا مادةً للاستهلاك السريع، وكان فيها الفنان مرآةً لصوت الشارع، لا بوقًا للعابرين.
في نبرته صدق الريف وفتنة المدينة، وفي أغنياته ملامح وطنٍ يُغنّى لا يُصفَّق له فقط.
أناقة الموهبة
حضر كمال إلى الساحة بأناقة الموهبة لا بضجيج الادّعاء، فكان صوته قادرًا أن يملأ فضاءً كاملًا من دون مصدح، سليم الطبقات، قويّ الحضور، واثقًا بنفسه كما يليق بفنان يعرف مقامه ومقام اللحن.
حجز مكانه في أفراح الناس، لا بوصفه مطربًا وحسب، بل مكوّنًا من مكونات البهجة، وجزءًا من ذاكرة الأعراس التونسية، تلك التي كانت تفضّل الصدق على الضجيج.
سافر نحو وجهات أخرى
لم يرضَ لنفسه أن يبقى في ظلّ المحلية، فحمل صوته إلى العالم، وجعل من ثقافته الواسعة وجواز سفره الثقافي بابًا نحو الانتشار.
أتقن الفرنسية وتحدّث بلغاتٍ أخرى، وسافر إلى باريس، إنجلترا، إسبانيا، وهناك غنّى، وترك أثرًا موسيقيًا يعكس عمق الهوية ومرونة الانتماء.
وحين شدّ رحاله إلى مصر، لم يكن ذلك للسياحة، بل للحلم. أقام قرابة السنة في قلب القاهرة، والتقى بكبار الملحنين كـ محمد الموجي وكمال الطويل، وهناك، على ضفاف النيل، نضجت فيه شرارة التلحين، وتفتّحت قريحته الموسيقية.
تعاون مع الشاعر الرقيق رضا الخويني، فأهدانا روائع مثل:
“غاروا مني وغاروا منها”
“تمايلي يا صبيّة على الرمال”
أغانٍ تحمل مزيجًا من رقّة تونسية وشجن شرقي، تُشبهه تمامًا.
صوتٍ مبلّل بالحسرة
وفي مكالمة هاتفية جمعتني به عصر هذا اليوم، بدا كمال رؤوف النقاطي كما عهدته: صادقًا، دافئًا، وحرّ الضمير، لكن بصوتٍ مبلّل بالحسرة.
تحدّث بمرارة عن أعماله التي ما زالت حبيسة رفوف الإذاعة الوطنية، وكأنّ الزمن نسي أن لصوته دينًا في أعناقنا.
“يا أمي لا تبكي”… تلك الأغنية التي التقطت وجع الغربة من قلبها، و
“أحنا أولادك يا تونس”, النشيد العاطفي المجبول بالوفاء، وغيرهما من الأغاني التي تصلح لكل الأزمنة، لكنها لم تجد العدل في زمنها.
تكريم صادق
ولأن الذاكرة الوفية لا تسقط أسماءها، أذكر بفخر تلك الزيارة التي قمنا بها إلى منزله الكائن بضاحية المرسى، رفقة الكاتب الصحفي الهادي السنوسي والملحن الناصر صمود، عضوي الهيئة المديرة لموسم الموسيقى التونسية، في تكريم متأخّر، لكنه صادق، اعترافًا بما قدّمه من جليل العطاء.
وما كان لهذه المكالمة أن تتم، لولا مبادرة الرجل الكبير، عميد المطربين التونسيين عز الدين إيدير، أطال الله عمره، الذي مدّني برقم صديقه، وكأنّه يفتح نافذة جديدة لذاكرة يجب أن تُنقش لا أن تُطمس.
صوت الياسمين
كمال رؤوف النقاطي… صوت الياسمين، ليس مجرّد مطرب من جيل مضى،
بل فصل نقيّ من كتاب الأغنية التونسية، صوته ضوءٌ يجب ألا يُطفأ، وتراثه وعدٌ لا يجوز التنكّر له.
إنصافه ليس منّة، بل واجب، فالأصوات الأصيلة لا تموت،
وإن سكتت عنها الإذاعة، فالتاريخ له أذنٌ أخرى، لا تُخطئ النغمة الصادقة.




