صالون الصريح

هادي دانيال يكتب: المفوّضيّة الأوروبية والتوظيف المُنافِق لِمِلفّ ‘حقوق الإنسان’

HEDI-DANIEL-ce
كتب: هادي دانيال

بَعْدَ أنْ كدْنا نُصَدِّق أنّ أوروبّا نأت بِنَفْسِها هذه المرّة عن حُرُوبِ المَصالِحِ الصهيو ـ أمريكيّة استناداً إلى إعلانِ مُعظَمِ الدُّوَل الأوربّيّة أنّها غيْر مَعنيّة بالحرب الوحشيّة التي تشنّها واشنطن وتل أبيب على إيران، إلّا أنّ طَبْعَ الضِّباعِ مُتأصِّلٌ كما يبدو عند نُخَبِ القارّةِ العجُوزِ الرسميّة السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة…

فرائحة الجُّثَثِ والقُبُورِ تُحرّك غرائزَهُم الاستعماريّة القديمة حتى التفسُّخ، للمُشاركة في جرائم الإبادة ليس بالقصْف الناري إنّما بأشكالٍ أخرى مِن العقوبات.

ضِباعُ أوروبّا تتحرّك

فَبَعْدَ أن أشاعَ النَّمِرُ الأمريكيُّ ومعه ابنُ آوى الصهـ.يونيُّ القتْلَ والدَّمارَ تحرَّكتْ ضِباعُ أوروبّا تقودُها رائحةُ المَوت إلى إيران والمنطقة. فمدّتْ رئيسة المفوضيّة الأوروبية “أورسولا فون دين لاين” يَدَها المُرتعِشة إلى الرُّفوفِ المُهمَلة والتقطت مِلَفَّ “حُقوقِ الإنسان”/ الذريعةَ الجاهزةَ لتأبيدِ العقوباتِ الأوروبية على إيران إلى أن تُحقِّق الولاياتُ المتحدة الأمريكيّة وإسرائيل أهدافَهُما مِن الحربِ الإباديّةِ الوحشيّةِ التي ستشملُ المنطقةَ بأسْرِها.

أين ضمير أوروبا؟

لم يتحرّكْ ضميرُ المفوضيّةِ الأوروبّيّةِ إزاءَ قتْلِ 150 مدنيّاً إيرانِيّاً بينهم 120 طفلاً في مذبحةِ مدرسةِ الشجرةِ الطيّبةِ بمدينة ميناب الإيرانيّة بصواريخ توماهوك أطلقتْها طائراتٌ حربيّةٌ أمريكيّةٌ، ولا تُجاه الجرائم اليومية التي يرتكبها جيشُ الاحتلال الإسرائيلي ضدّ البشر والحجَر والشجَر في قُرى ومُدُن الجنوبَيْن اللبناني والسوري، ولم يرفّ لِعَينِ هذا الضميرِ الانتقائيِّ جفْنٌ إزاءَ المجازر التي ارتكبَها مَن نصّبَه الرئيسُ الأمريكي “دونالد ترامْب” رئيساً للسلطاتِ السوريّة (أبو محمد الجولاني)، في مُدُنِ وقُرى مُحافظاتِ (وِلاياتِ) الساحلِ السوري و قُرى ومدينةِ مُحافظةِ (وِلايةِ) السويداء في الجنوب السوري، وفي حَلَبَ شمالاً، ضدَّ المُكوِّنات الوطنيّة العَلَويّة والدرْزِيّة والمسيحيّة والكرْديّة، بعد أن كانت واشنطن قد وَعَدَتْ بِدَفْعِ عشرة ملايين دولار أمريكي مُقابِل رأس الجولاني هذا عيْنه إيّاه!…

تبادل الزيارات

بل إنّ المفوّضيّة الأوربّيّة وبعض الحكومات الأوروبّيّة (خاصّة فرنسا وألمانيا ناهيك عن العرّاب البريطاني) ما فتئتْ تتبادَلُ الزيارات الرسميّة مع سلطات دمشق الإرهابيّة إذعاناً لإرادةِ الإدارةِ الأمريكيّة ورَغْبةً بالتخلُّصِ مِن عبْءِ اللاجئين السوريِّين في أوربّا وطمَعاً بأن تنالَ الشركاتُ الأوروبية ولو بَعض فتاتِ الاستثمار في إعادةِ الإعمار. وأمامَ ذلك لا ترى المُفوّضيّة ولا تسمَعُ شيئاً يتعلّقُ بانتهاكِ حُقوقِ الإنسان في سوريا وبالتالي لا تتكلّم، بل تَلتَزِمُ صَمْتَ المُتواطئ.

وقبْلَ ذلك هرعتْ “أورسولا فون دير لاين” بَعْدَ أحداث 7 أكتوبر 2023 مُباشَرَةً إلى تل أبيب لِتُعلِنَ وُقوفَ أوروبّا إلى جانب “إسرائيل” غيْر آبِهَةٍ بِما كان جيشُ الاحتلالِ الإسرائيلي يرتكِبُه في الإبّان مِن تدميرِ وحَرْقِ قِطاعِ غـ.زّةَ وإبادةِ عشرات الآلافِ مِن سُكّانِها المدنيِّين الذين مُعظَمُهم مِن الأطفالِ والنِّساءِ والشّيوخ. وعلى الرُّغْم ِمِن أنّ الشعوبَ الأوروبيةَ وَنُخَبَها السياسيّة والبرلمانيّة والنقابيّة والثقافيّة الفكْريّة والفنيّة والإعلاميّة والرياضيّة إلخ، قد مزّقت في شوارع أوروبّا وعلى مِنَصّاتِ الرأي كافّة، السرديّةَ الإسرائيليّةَ التي تَمَّ بِها تضليلُ الأجيالِ الأوروبّيّة على مدى قَرْنٍ تقريباً، وتبنّت بقوّةٍ السرديّةَ الفلسـ.طينيّةَ، وعلى الرُّغْمِ مِن أنّ حكوماتٍ أوروبيةً على غرار حُكُومَتَي إيرلندا وإسبانيا قد تَبَنَّتا المَوقِفَ الشعبيَّ الأوربِّيَّ المُسانِدَ لِلحَقّ الفلسطينيِّ والمُطالِبَ بِفَرْضِ العقوبات على المُعتَدِي الإسرائيلي سالِبِ هذا الحَقّ…
وعلى الرُّغْمِ مِن أنّ الكنيسة الكاثوليكيّة نفْسَها، على لِسانِ البابا ليو الرابع، قد حَذَّرَتْ مِن استخدامِ اللغة “الأخلاقيّة والدينية” لِتبريرِ العدوانِ العسكرِي، كما يفعل المُحافِظون الجُدُد، لِدَرَجَةِ أنّه قالَ بِعِظَتِه يَومَ أحَد السعفِ مَطْلَع العام الحالي 2026: إنّ “الله يرفضُ صَلَوات مَن يشنّونَ الحُروُبَ”، إلّا أنّ رئيسة المفوّضيّة الأوربّيّة تُصِرُّ على مُواصَلَةِ استِخدامِ مِلَفِّ حُقوقِ الإنسان “حَقّاً يُرادُ بِه الباطل” أو سلاحاُ يُشْهَر في وُجُوهِ الشُّعوبِ والدُّوَل المستقلة على غرار روسيا وإيران وسوريا سابقاً (قبْلَ سُقوطها بين مَخالِبِ الفصائلِ التكفيريّة بتاريخ 8 ديسمبر2024)، عندما ترفضُ حكوماتُها الوطنيّة الإذعانَ للإملاءاتِ الغربيّة، بينما يُغْمَدُ هذا السِّلاح عندما تُنتَهِك “إسرائيلُ” حُقوقَ الشعبِ الفلسطيني كافّة وأوّلها حقّه في الحياة.

سياسة تبعية

باتَ مَعروفاً أنّ سياسةَ أوروبا في الشرق الأوسط تابعةٌ تماماً للسياسةِ الصهيـ.و. أمريكيّة ، وبالتالي ما كانت تدَّعِيهِ مِن التزامِ مَنظومةٍ قِيَمِيّة أخلاقيّة في مُقارَباتِها لِسِياساتِ الدُّوَل، الداخليّةِ والخارجيّةِ، فَقَدَ مِصْدَاقِيَّتُه. فالدّوْر المَرسومُ للمُفَوضِيّةِ الأوربّيّةِ، كما يَبدو، هُوَ صَبُّ الزَّيْتِ على نِيرانِ الحُرُوبِ التي تشنُّها الدوائرُ الصهـ.يو أمريكيّة في مَنطِقتِنا وليس إطفاءَ هذه الحُرُوب. في هذا السِّياقِ انْدَفَعَت “أورسولا فون دير لاين” تُشَجِّع “بنيامين نتنياهو” على انتِهازِ فُرْصَةِ 7 أكتوبر لِحَرْقِ غـ.زَّة وإبادةِ الفلسطينيِّين فيها، وتسعى الآنَ ليسَ فقط إلى تبريرِ الحربِ الإسرائيليّةِ – الأمريكيّةِ على إيران، بل وإلى الدّعوَةِ مِن أجْلِ مُواصَلَةِ هذه الحرب وَدَعْمِها أورُوبِّيّاً بِعَدَمِ رَفْعِ العُقوباتِ عن إيران بانتظارِ “تَغييرٍ حقيقيٍّ على الأرض قَبْلَ أن نُفكّرَ في رَفْعِها”، أي أنّ على إيران شَعباً ودَوْلةً أن تَلتزِمَ الرُّؤيةَ الأوربِّيّةَ الانتقائيّة لِحُقوقِ الإنسانِ، وإلّا فإنّها ستُعاقَب بِسَلْبِها حَقّ الوُجُود وبالتالي سَلْب الإنسانِ الإيرانيّ حَقّ الحياة!…

الحق في الحياة

وهذه السِّياسة الطغيانيّة، سياسةُ العِقابِ الجَمَاعِي حتى المَوت كما حَصَلَ في العراق منذ 1990 إلى غايةِ احتلاله سنة 2003، سَنَّتْها واشنطُن وألْزَمَتْ بِها جميعَ العواصِمِ التابِعةِ لها عبْرَ العالَم وفي مُقَدِّمَتِها العواصِم الأوروبّيّة التي تَتَشدَّقُ بِرَفْعِ راياتِ حُقوقِ الإنسان الفرْديّة بينما تتجاهَلُ حقيقةُ أنّ أوَّلَ حُقوق الإنسان هُوَ حقُّه الذي تسلبُه إيّاه العقوباتُ الجماعيّةُ والحروبُ الصهـ.يو أمريكيّة، أعني حقّه في الحياةِ والعَيْشِ الكريمِ في وَطَنٍ حُرٍّ مُسْتَقِلٍ ذي سيادةٍ على ثرواته الطبيعيّةِ والبشَريّةِ يَكْفلُ لَه مُمارُسة بَقِيّة الحُقوقِ كالحَقِّ في الغِذاء والكساءِ والدّواءِ والسَّكَنِ و التعليمِ وحريّةِ التعبيرِ والتنظُّمِ السِّياسي والنّقابي إلخ. ولأنّ فاقِدَ الشيءِ لا يُعطِيه فإنّ أوروبّا العاجِزَةَ عن فرْزِ حُكُوماتٍ تَستجِيبُ للرأيِ العامِّ الشَّعبي الأوربّيّ الرّافِض بِوُضُوحٍ للجرائمِ التي ارْتَكَبَتْها وتَرْتَكِبُها “إسرائيل” والولاياتُ المتّحدة الأمريكيّة في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وإيران وغيْرها، أوروبّا هذه بحاجة أوّلاً إلى أن تُعيدَ إلى شُعوبها ومُواطِنِيها سِيادَتَهُم الشعبيّة وقرارَهم المُستقِل، كي ترى أوروبّا الرسميّة حاضِرَها ومُستَقبَلَها بِعُيون المَصالِحِ الشعبيّةِ الأوروبيّة لا بِعُيونِ المصالِح الصهيـ.و أمريكيّة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى