متفرقات

‘هذه الجزائر..التي نحبها’..حين غاب الأقارب..حضرت الجزائر كلها!

تصدير

-أجمل الأعراس ليست تلك التي تكثر فيها الزغاريد، وإنما تلك التي ينتصر فيها الإنسان للإنسان.

في مروانة الجزائرية، لم يكن صالح ينتظر أكثر من ليلة تشبه ليالي العمر..ليلة يحيط به فيها الأهل والأصدقاء،وتعلو فيها الزغاريد، وتكتمل فرحته بزواجه.
لكنه وجد نفسه،في واحدة من أكثر ليالي حياته انتظارا، شبه وحيد في قاعة أعدت لاستقبال المدعوين.

لحظة موجعة

طاولات عامرة بما يلزم للفرح،وقاعة تنتظر أهلها،وعريس فقد والديه في السنوات الأخيرة،وكان أحوج ما يكون إلى وجوه يعرفها وقلوب تسنده.غير أن معظم من كان ينتظر حضورهم غابوا، فتحولت ليلة العمر إلى لحظة موجعة من العزلة والانكسار.!
كان يمكن للقصة أن تنتهي عند حدود الخذلان، وأن يعود صالح إلى بيته حاملا في قلبه جرحا لا تراه العيون.
لكن شيئا جميلا حدث..
انتشرت صور العريس،وانتقلت حكايته من مروانة إلى أماكن أخرى،وكأن وجعه طرق أبوابا كثيرة في وقت واحد.تحرك أهل المدينة،ثم أبناء الولاية، وشارك آخرون من مناطق مختلفة،ليقولوا لهذا الرجل إن غياب بعض الأقارب لا يعني أن الدنيا خالية من أهل الوفاء.

وهكذا أعيد ترتيب الفرح.

لم تعد المناسبة عرسا لصالح وحده،بل تحولت إلى عرس جماعي،شارك فيه الناس بالسيارات والهدايا والمساعدات،وحضر مواطنون من مناطق مختلفة ليصنعوا له ليلة أخرى،أكثر دفئا واتساعا من الأولى.
ما أعمق المفارقة! في الليلة الأولى،كان صالح يبحث عن أهله بين المقاعد الفارغة..
وفي الليلة الثانية،وجد أهلا لم تجمعه بهم صلة دم،وإنما جمعته بهم صلة إنسانية أرفع: الشهامة والرحمة ونبل الموقف.
ليست القرابة دائما في الدم،كما أن الغربة ليست دائما في البعد.قد يجلس قريب إلى جوارك ولا يشعر بانكسارك،وقد يأتيك غريب من مدينة بعيدة،لا يعرف اسم أمك ولا حكاية طفولتك،لكنه يشعر بأن عليك أن لا تبقى وحيدا في لحظة تحتاج فيها إلى كتف وقلب ويد.
وهنا تكمن عظمة الحكاية.
صالح لم يحصل فقط على زفاف ثان،بل استعاد شيئا من إيمانه بالناس.وربما اكتشف،وسط وجوه لم يعرفها من قبل،أن الحياة قاسية أحيانا في توزيع الأقارب، لكنها عادلة أحيانا في إرسال الغرباء.!
خذلته بعض الوجوه التي كان ينتظرها، فاستدارت إليه وجوه لا يعرفها..وكأن مروانة قالت له،في أبلغ لغة: قد يغيب الأهل،لكن أهل الشهامة لا يغيبون.
وفي زمن كثرت فيه صور الجفاء،جاءت هذه الحكاية لتذكرنا بأن أجمل الأعراس ليست تلك التي تكثر فيها الزغاريد،وإنما تلك التي ينتصر فيها الإنسان للإنسان.

متابعة: محمد المحسن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى