صالون الصريح

هادي دانيال يكتب: ‘اتفاقيّة التفاهُم’ عَتَبَةُ حلٍّ شامِل أم خديعة صهـ.يو ـ أمريكيّة قبْل استئنافِ الحرْب مُجَدَّداً على إيران؟

adanille
كتب: هادي دانيال

عندما شنَّ الرئيسُ الأمريكي دونالد ترامْب و حليفه رئيسُ الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” حربَهُم العدوانيّة الشَّرِسة على الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، أعلَنَا مَعاً أربعةَ أهداف لهذه الحرب..

هي: إسقاطُ نظام “الثورة الإسلاميّة”، وَقْفُ برنامج إيران النووي بِوَجْهَيه المدني والعسكري، التخلُّص نهائيّاً مِن برنامج الصواريخ البالستيّة، فكّ الارتباط بين طهران وأطرافِ مِحوَر المقاومة في لبنان واليمن والعراق وفلسطين المحتلّة.

إزالة إيران

هذه الحرب التي كان يُراد منها إزالة إيران وشعوبها من ذاكرة البشريّة تاريخاً وجغرافيا كما تبجَّحَ “دونالد ترامْب” بِعددٍ من تصريحاته أو تدويناته التي تَرْجَمَها بارتكاب المجازر وجرائم الحرب الإباديّة بَدءاً من اغتيال القادة والنُّخَب العلميّة وُصُولاً إلى اغتيالِ أطفالِ المدارس وتدمير البنى التحتيّة لمؤسّسات الدولة.
خاصّة بَعْدَ فَشَلِه بإسقاط نظام الشهيد علي خامئني مِن خلال دفْع البلاد إلى حَرْبٍ أهليّة، هذا الهدف الذي أفْشَلَه وعيُ الشعوب الإيرانيّة وحسُّها الوطنيُّ العالي اللذان يعكسان عُمقاً حضاريّاً يكون حاسماً في هكذا لحظاتٍ مصيريّة تاريخيّة.

بدأت هذه الحربُ يوم السبت 28 فيفري 2026 بالأهداف الأمريكيّة الإسرائيليّة التي ذكرناها آنفاً، وتحت عنوانَين، أمريكي هو “الغَضَب الملحمي” وإسرائيلي هو “زئير الأسد”، وأفْضَت إلى “اتفاقيّة تفاهُم” تَمَّ توقيعُها الكترونيّاً بين الجانِبَين الأمريكي والإيراني في مُنتصَف شهر جوان 2026.

خسائر هائلة

تسبَّبت هذه الحرب بخسائر بشريّة ومادّيّة مَدَنِيّة وعسكريّة هائلة في الجانب الإيراني، وأيضاً بخسائر بشريّة وماديّة وعسكريّة جسيمة أيضاً في الجانِبيَن العسكري والمَدَني الأمريكيِّيَن والإسرائيليِّيَن أقلّها تدمير 14 قاعدة عسكريّة أمريكيّة في المنطقة. ولكن دون تحقيق أيّ هدف مِن الأهداف الصهـ.يو ـ أمريكيّة الأربعة. فالغضبُ الأمريكي والزئيرُ الإسرائيلي تمخّضا عن مُفاجأة إيرانيّة هي “مضيق هرمز” الذي وَصَفَه مُؤخَّراً “ديميتري أناتوليفيتش ميدفيديف” نائبُ رئيس مجلس الأمن الروسي بأنّه سلاحُ طهران النووي الحقيقي كما أنّ “باب المندب” قنبلة حراريّة نوويّة بِقبْضةِ إيران أيضاً.

أخطر سلاح بيد إيران

لذا رَكّزَت “اتفاقيّة التّفاهُم” على تحقيق هدف لم يكُن ضمْنَ حسابات “ترامْب” و”نتنياهو” عندما قرّرا شَنَّ حربِهما الوحشيّة على بَلَدٍ مُستقلّ وشُعُوبٍ آمِنة. كان المَضيقُ مَفتوحاً تمرُّ عبْره السُّفُنُ مُختلِفةَ الحُمُولات والأحجام والجنسيّات ذهاباً وإياباً دون أن يُفكّر أحَدٌ بأنّ هذا المَضيق هو السلاح السرّيّ والأخْطَر الذي تمتلكُه إيران منذ نشأت بقوّة الجغرافيا والتاريخ.
فَتْحُ مَضيق هرْمُز الذي أغلقتْه إيران، هذا هو الهدف الذي يريد “ترامْب” تَحقيقَه الآن بَعْدَ أن فشلَ تماماً في تحقيق الأهداف الأربعة باستخدام أحدث أسلحة “البنتاغون” وأشدّها فَتْكاً. وتأكيداً على فَشَلِ تلك الأهداف خَلَت الاتفاقيّة مِن أيّ إشارة إلى إسقاط النظام أو البرنامج النووي أو برنامج الصواريخ البالستيّة، وتضمّنَت بالمقابل في فقرتها الأولى تأكيداً على إنهاءِ العمليّات العسكريّة على “جميع الجبهات بما في ذلك لبنان”، أي أنّ هذه الحرب لم تتمكّن مِن فكِّ الارتباط بين إيران وبقيّة أطراف “مِحوَر المُقاوَمة”.

مناورة ترامب

ولكنّ “ترامْب” وفريقه أرادا المُناوَرةَ على الجانب الإيراني، فتَحايَلا على البنْد الخامس مِن “اتفاقيّة التفاهُم” الذي ينصّ على أنّ إيران تُديرُ مُرور السُّفُن عبْر المَضِيق خلال فترة الستِّين يوماً، والمُناوَرَة لها شقّان، الأوّلُ هُوَ أنَّ الجانبُ الأمريكي شَرَعَ بِفَتْحِ “مساراتٍ بحريّة بديلة قريبة مِن سواحل عُمان بدون مُوافقة إيران”، فكان ما كان مِن تهديدٍ لاتفاقِ التفاهُم بِتَصعيدٍ وَصَلَ إلى حدّ القصْفِ المُتبادَلِ لأهدافٍ أمريكيّة وإيرانيّة، حدا بالرئيس الأمريكي إلى التهديد الأخرَق بأنّ “إيران لن توجَدَ بَعْدَ الآن”.

خدعة اسرائيلية في لبنان!

الشقُّ الآخَرُ مِن المُناوَرة على الاتفاق هُوَ اعتراضُه في واشنطن يوم 26 جوان 2026 بتوقيعِ اتفاقٍ لبناني رسمي مع تل أبيب برعاية أمريكيّة، يجعل مِن وقْفِ إطلاق النّار على جبهة لبنان شأناً إسرائيليّاً بحْتاً، ذلك أنّ الاتفاق بين حُكومَتَي “نوّاف سلام” و”بنيامين نتنياهو” يحوّل جنوب لبنان إلى منطقة تجريبيّة لإقدام الجيش اللبناني على نزْع سلاح المقاومة اللبنانية مُمَثَّلةً بِمُقاتليّ “حزب الله”، بإشراف إسرائيلي.
بمعنى أنّ الاتفاق يخوّل لِجَيشِ الاحتلال الإسرائيلي أن يدخلَ إلى أيّ قرية أو بلدة في جنوب لبنان كلّما أعلنَ الجيشُ اللبناني أنّها أصبحت خالية مِن سلاح “حزب الله” ليتأكّد الإسرائيليّون مِن صحّة إعلان الجيش اللبناني وعلى ضوء “تَشييكِهِ” يُقرِّر الجيشُ الإسرائيلي إنْ كان سَينسحِبُ مِن هذه القرية أو البلدة أم لا. ولأنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي كما صرّح قادتُه العسكريُّون والسياسيُّون لا يفكّر أصْلاً بالانسحاب مِن أي أرضٍ عربيّة وصلت أقدامُ جنوده وجنازيرُ دباباته وعجلاتُ عرباته إليها، فقد وَضَعَ في أعلى قائمة المناطق التجريبيّة بلدات لبنانية لم يدخلها أصْلاً على غرار “زوتر الغربية” و”فرون” طالباً من الجيش اللبناني أن يبدأ منها نزْعَ سلاح “حزب الله”، ومن ثمّ يدخلُ الإسرائيليُّ هذه البلدات ويُقرِّرُ لا حقاً إنْ كان سيخرجُ منها أم لا. أي يُحقِّق بهذا الاتفاق/الخديعة ما لم يتمكّن مِن تحقيقِهِ بالحرب.

فما الهدف إذن، مِن “اتفاقيّة التفاهُم” الإيرانيّة – الأمريكيّة؟.

الهدفُ أعلنَه بِوُضوح “جيه دي فانس” نائب الرئيس الأمريكي عندما قال بِعضْمِ لِسانِه ” أعتقدُ أنّ ما طلبَه منّا الرئيسُ هو استخدام مُذكّرة التفاهُم هذه لإعادةِ ملْءِ مَخزونات النِّفْطِ العالميّة، بعْدَ ذلك أين ستذهب مِنّا إيران؟”.

أمّا الإعلان عن أنّ وزارة الخزانة الأمريكيّة رَفَعَت العقوبات عن تصدير النفْط الإيراني ومشتقاته فما هُو إلّا جَزَرَة مؤقّتة قبْلَ استئناف العودة إلى سياسة العصا الصهيـ.و ـ أمريكيّة، وتصريحات “ترامْب” التخديريّة بأنّه سيُفرِج عن 24 مليار دولار من الأموال الإيرانيّة المُجَمَّدَة وأنّها “هي أموالٌ إيرانيّة وليس لنا الحقّ في أن نجمّدها مدى الحياة” فهو حسب المثل الشعبي التونسي “كلامُ ليلٍ مَدهُونٌ بالزبدة ” سيذوبُ ويتلاشى ما أنْ تُشرِقَ شمسُ الحقيقة.
ناهيكَ عن أنّ تصريحات “ترامْب” و”تفاهُماته” حمّالة أوجُه، فمثلاً خطابُه آواخر جوان2026 في مُؤتمرٍ لِجمعيّة المُزارِعين الأمريكيِّين، وَعَدَ خِلالَه الأخِيرِين بِسُوقٍ جديدةٍ قادمةٍ، “تُدعى دولة إيران الجميلة” التي يمرُّ شعبُها “بوقتٍ عصيبٍ فيما يتعلّق بالغذاء، وسوف نأخذ بعضاً مِن أموالِهم ونُنفِقُها لِشراءِ القمْح وفُول الصويا والذرة بكميّات كبيرة”.
البعض فسّر هذا القول الترامْبيّ بأنّ الأخير سيحلّ أزمة المُزارِعِين الأمريكيِّين مُستثمِراً حاجة المُواطِن الإيراني للغذاء وبالتالي وضْع حكومة طهران أمامَ أمْرٍ واقع هو استيراد حاجتها مِن الحبوب مِن العدوّ الأمريكي مُقابِل بعض المُجَمَّدِ مِن المالِ الإيراني في البنوك الغربيّة أو التابعة لها في المنطقة (أي المال مقابل الغذاء في إيران بمحاكاة لدراما النفط مقابل الغذاء في العراق قبل احتلاله)..
لكنّ تأويلاً آخَرَ أو ترجمة أخرى للخطاب نفْسِه قالت إنّ ترامْب وَعَدَ مُزارِعِيه بأنّ الحكومة الأمريكيّة ستشتري محاصيلهم بالمال الإيراني المُجمَّد، بذريعةِ أنّ غلْق مَضيق هرْمُز تسبَّبَ بأزمةٍ اقتصاديّة داخلَ الولايات المتحدة خاصة على مستوى ارتفاع أسعار البتروكيماويات. هذا “اللا منطق” الذي شهدناه بإجبار ليبيا والعراق على دفْع تكاليف الحروب الغربيّة الأوربيّة والأمريكيّة عليهما واحتلالهما، مِن ريعِ ثرواتِهِما النفطيّة والغازيّة يلوّح به ترامْب ولكن مِن نافذة الأموال الإيرانيّة المُجمَّدَة.

حرب أهلية في لبنان؟

أمّا الهدف مِن اتفاقيّة تل أبيب مع بيروت في واشنطن، فهو ضرْبُ حزْب الله بالجيشِ اللبناني أو العكس وُصُولاً إلى حرْب أهليّة في سياقها يتمّ حلّ الجيش اللبناني لتحلّ الميليشيات الإرهابية التكفيريّة محلّه كما هو حال سوريا بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد وحلّ الجيش العربي السوري، مِمّا يَجعَل أمْرُ توسُّع جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى ما بَعْد نهْر الليطاني والسيطرة على حقول النفط والغاز في المياه الإقليمية اللبنانية أمراً سهلاً وبِدُونِ رادع، تماماً كما يحصلُ الآن في الجنوب السوري. هذا الخطر الذي يتجاهله أو يتواطأ معه بعضُ اللبنانيِّين والعرب نَبّهَتْ إليه الصحافيّة الأمريكيّة “آن كاسبريان” مُندِّدة بالاتفاقيّة اللبنانيّة – الإسرائيليّة ومُلحقاتِها الأمنيّة ، بِقَوْلِها مُخاطِبة الرئيس جوزيف عون : “هذا الرَّجُل مَصْدَرُ عار، بَلَدُهُ على وَشَكِ أن تقع تحت سيطرةِ مُجرِمين يرتكبون إبادةً جماعيّة، وهُوَ يُهاجِمُ الطرفَ الوحيدَ الذي يقف في وَجْهِ ذلك”.

هي بالتأكيد سابقة لم يعرفها تاريخُ البشريّة، شعبٌ يُفْرِزُ مُقاوَمة ناجِعة ومُجَرَّبَة ضدَّ الاحتلال الأجنبي وحكومة تُشَرّعُ وُجودَ هذا الاحتلال وتزعمُ أنّ سلاح هذه المُقاومة هو سبب الاحتلال!.

‘الذئب’ ترامب!

إنّ استراتيجيّة السياسة الخارجيّة الأمريكيّة التقليديّة هي فرْضُ المصالح الأمريكية عبْر العالَم بالقوّة، و “ترامْب” الذي ادّعى أنّه رَجُلُ سلام، هو تماماً كالذئب الذي غطّى مَخالِبَه بالدقيق الأبيض، في الحكاية الشعبية، سرْعانَ ما عادَ إلى تقاليد السياسة الخارجيّة نفْسِها، فَشَنَّ حَربَه الوحشيّة على إيران مُتباهياً بأنّ “حضارةً بِأكْمَلِها ستموتُ اليوم” بين مَخالِبِه. وهذا ما يؤكِّد مقولةَ مُواطِنِه الكاتب الأمريكي وليَم فوكْنَر “فاجِرَة يوماً، فاجِرَةٌ كُلَّ يوم” في روايته الشهيرة “الصَّخَب والعُنْف”.

والسياسة الاستراتيجيّة للصهيونيّة بِفَرعَيْها اليهودي والمسيحي وتابعهما الأبراهامي الإسلامي، مُؤسَّسة على خُرافةٍ دِينيّةٍ مَفادُها، أنّ مهمّة إقامةِ إسرائيل الكبرى وبناءِ الهيكل يجب إنجازُها قبْلَ أن تبلغَ البَشَرِيّةُ سنة 2028، مِن أجْلِ إبْطالِ لعنة الثمانين عاماً، لأنّ كلُّ مَمْلكة إسرائيليّة عبْرَ التاريخ تنهارُ متى أتَمَّتْ عقدَها الثامِن.

“بنيامين نتنياهو” و”دونالد ترامْب” لهما أسبابُهما الخاصّة لإبقاء الحرب مُشتعلة في أكثر مِن منطقة على هذا الكوكب، وخاصّة بِمَنْطِقَتَيّ الشرق الأوسط والقرم، فالانتخاباتُ التشريعيّة الأمريكيّة القادمة (انتخابات التجديد النصْفي) في 3 نوفمبر 2026، سيكون لها تأثيرُها شبه المُباشر على مصير “دونالد ترامْب” وبقائه مِن عَدَمِه في “البيت الأبيض” إلى حلول الانتخابات الرئاسيّة القادمة سنة 2028، وَقَبْلَها بأيّام ربّما الانتخابات التشريعيّة الإسرائيليّة التي ستُحَدِّد مصيرَ شريكه في الإثم والعدوان “بنيامين نتنياهو” المُدان دوليّاً بجرائم حرب ضدَ الإنسانية والذي يشيع أنّه مُصاب بالسرطان عساهُم يُوقِفون مُحاكمَتَه داخِلَ الكيان الصهيوني بِتُهَمِ فَسَاد.

جولة أولى لصالح إيران

نَستخلِص مِن ذلك أنّ إيران كسبت نسبيّاً المعركة الأولى في هذه الحرب، لكنّ المارِقين على القانون والسياسة الدوليِّيَن، سيستأنِفانِ تَسطيرَ سياساتهم الخارجيّة بالقوّة خاصّة وأنّ السياسة الأمريكيّة باتت تتماهى مع السياسةِ الإسرائيليّة، بالمعنى الذي قَصَدَه وزيرُ الخارجيّة الأمريكي الأسبَق “هنري كيسنجر” عندما قال: “إسرائيل ليس لها سياسة خارجيّة، لها سياسة داخليّة فقط”.

وهذا يترتَّب عليه أن لا تتراخى إيران وحلفاؤها في المنطقة والعالَم وأن تَستعِدّ طهران لإدارةِ مِعارِك الحرب بالاقتدار والحنكة التي تدير بهما جولات المُفاوَضات. فالذي تأكّد حتى الآن أنّ مَن يَبدأ المَعارِكَ هو الطرف الأمريكي- الإسرائيلي، وهو نفْسُه مَن يوقفها طالباً “المُفاوضات” كي يتلافى الهزيمة بالاستدراك واستعادةِ موازين القوى لِصالحِه.

قانون الغاب

إنّ هذا العدوّ الذي ابتُلِيَت بِهِ شعوبُ ودُوَلُ المنطقة والعالَم يعتمد سياسةَ الغابِ وقانونَه وبالتالي على دُوَلِ العالَم وحكوماته المُستَهدَفة أن تُجابِه حلْفَ اليمين الصـ.هيو غربي بحلْف حُماة القانون والشرعيّة الدوليِّيَن الذي يُفْتَرَضُ أن يُجابه القوّة المتوحشة بالقوّة الصارمة الحاسمة، وبالتالي المُتَّحِدَة، خاصّة وأنّ هؤلاء الأعداء بِلا رادِع أخلاقي، هَمُّهُم الوحيد في أيّ حرب يَخوضُونها أن يحسمُوها بِشتّى الأساليب والأدوات والحِيَل القذرة، ولذا هُم يَستثمرون في أخلاقيّة الخصْم، اعتقاداً منهُم أنّ “المُنتصِر” هو الذي يَضَعُ في النهاية المنظومَتَين القانونيّة والأخلاقيّة الجديدتَين، متجاهلاً الذاكرة البشريّة وما راكمت مِن تجارب وخبرات حضاريّة، و مُسْتَهتراً بما توافقت عليه الجماعاتُ البشريّة المُعاصِرة دُوَلاً وشعوباً ومُنظَّماتٍ دوليّة، مِن قوانين مُلزِمة تتعلق بِحقوقِ الناسِ وحريّاتهم شعوباً وأفراداً، كالحقِّ في الحياة والحقّ في العمل والدراسة والصحّة والحقّ في السكن والحقّ في وَطَنٍ حُرّ مُستقلّ ذي سيادة، وكحريّةِ التعبير وحريّةِ المُعْتَقَد وحريّة التنقُّل وحريّة نَمَط العيش وغيْرها مِن الحُريّات الشخصيّة…وما حصلَ ويحصلُ في سوريا الآن وسيلةُ إيضاح.

العدّ التنازلي

إنّ العدَّ التنازليَّ لاستئنافِ الحرب الأمريكيّة ـ الإسرائيليّة على إيران وأطرافِ مِحوَر المقاومة سيبدأ مَع نِهايةِ كأسِ العالم 2026، أي بَعْدَ 20 جويلية الجاري. حيث تكون مخازنُ النِّفْط العالميّة قد مُلِئت، والاحتياطات العسكريّة كمنظوماتِ اعتراض الصواريخ البالستية قد تَمَّتْ. والتحضيرات للهجُوم على أطراف “مِحْوَر المقاومة” في لبنان واليمن والعراق على قَدَمٍ وساقٍ والنتيجة المُنْتَظَرَة فوضى خلّاقة عارمة ستشملُ العراقَ وبلادَ الشام بأسْرها في حرب طائفيّة وعرْقيّة ضروس عنوانها الكبير “حرب شيعيّة – سنّيّة”. والتطمينات المُفَبْرَكة مِن سلطة “الجولاني” تجاه لبنان خاصّة هي خديعة تركيّة أخرى. فأنقرة لا تزال أطلسيّة ومستعدّة لاقتِسامِ أيِّ أرضٍ عربيّة مع الكِيان الصـ.هيوني ولالتِهام أيّ مساحة إضافيّة مِن تراب العراق أو سوريا بالسكّين الصهـ.يونية (مُغلَّفةً بالنجمة والهلال الأبيَضَيْن) وبالشوكة العثمانيّة (مُبَطَّنَةً بنجمة الدونمة السداسيّة). فالمشروع الصهيـ.وني الذي تحرّكه الآن خرافة دينيّة تغذّي فاشيّته وتُضْرِم حقدَه على الأغيار لن يكون مُجدِياً أن يجرّنا إلى مُستنقعه فنُواجِهَهُ بخرافة دينيّة أخرى، بل يُفْتَرَضُ بِنا أن نقاومه بقوّة عسكريّة وشعبيّة حاسمة يُحرّكُها وَعيٌ وطنيٌّ إنسانيّ تقدُّمي.

عشيّة الانتخابات التشريعيّة الأمريكيّة والإسرائيليّة ستبلغ هذه الحربُ ذروَتها. هذا ليس تنجيماً بل هو استقراء على ضوءِ ما خبرْناه من أقوالِ وأفعالِ القوى المحلّيّة والإقليميّة، بِذاكرةٍ يقظةٍ ، على الأقلّ مِن سنة 2011 إلى هذه اللحظة.

إنها حربٌ وجوديّة

هي حربٌ وجوديّة، بين قوى إمبرياليّة تريد الهيْمنة على مقدّرات البشر مِن سنابل القمح والأرز إلى الرقائق الألكترونيّة، ومِن بنادق الصَّيْد إلى القنابل الهيدروجينيّة، ومِن المضائق البحريّة إلى المخابئ المُحصّنة ضدّ الضربات النوويّة التي ما فتئت واشنطن وتل أبيب تهددان بها إيران مثلاً…، وبين دُوَلٍ وشُعوبٍ كلّ ما تطمَحُ إليه وَقْف تَدَهوُر شروط الحياة الحيوانيّة على هذا الكوكب وُصُولاً إلى تحقيق شُروطِ الحياة الإنسانيّة بِحُدُودِها المُمكِنة كالعيْشِ بِسلامٍ وبعلاقاتِ احترامٍ مُتبادَل و بذْل جهودٍ علْميّة واقتصاديّة وفكريّة وإبداعيّة لِمُحارَبة الفقر والجوع والبطالة والجريمة والأمراض الخبيثة وتلوُّث البيئة والتصحُّر في ظلّ قانونٍ دوليٍّ مُلزِم.

وعلى هذا الأساس يُفْتَرَض أن يبني المعنيّون مِن المُسْتَهدَفِين استراتيجيّاتهم وتكتيكاتهم وعدّتَهم وعتادهم وأن يقطعوا نهائيّاً مع سياسة “الصبْر الاستراتيجي” التي استثمر فيها العدو كما استثمر في أخلاقيّة خصْمه، فكلّما سقطت عاصمة بين بَراثِنِهِ تحوّلَت وجْهَة هذا الوحشُ العَولَمِيّ إلى إسقاطِ العاصمةِ التالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى