صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب/ وقف الحرب في غزة وفق ‘الرؤية الأمريكية’: هل من خيار آخر؟

slama
كتب: نوفل سلامة

في الوقت الذي كان فيه الخناق يضيق أكثر فأكثر على الكيان المحتل بفضل الضغط العالمي للشعوب التي تخرج يوميا في مختلف دول العالم في مظاهرات حاشدة مناصرة للقضية الفلسطينية..

وفي الوقت الذي توسعت فيه الإدانة لدولة الاحتلال من عديد الجهات وخاصة من الدول الغربية التي خرجت عن حيادها نتيجة ضغط شعوبها وإعلانها الاعتراف بدولة فلـ. سطين على غرار دولة كندا وإسبانيا والبرتغال ..

وفي الوقت الذي بدأ فيه التفكير لتسليط العقوبات على إسرائيل ووقف التعامل معها ومراجعة السياسات الخارجية تجاه هذا الكيان المتمرد من ذلك منع تزويده بالأسلحة.. وفي الوقت الذي زادت فيه عزلة إسرائيل دبلوماسيا وسياسيا بعد أن تغيرت نظرة العالم لهذا الكيان جراء ارتكابه المتواصل للقتل والتدمير والتجويع و تعمد منع إيصال المساعدات الغذائية والطبية وارتكابه لجرائم إبادة جماعية اعترفت بها محكمة الجنايات الدولية ..

في هذا المناخ وهذا التوقيت الذي اعتقد فيه الجميع أن إسرائيل محاصرة وتشهد عزلة دولية غير مسبوقة وغضب شعبي عالمي متزايد وضغط كبير لإيقاف الحرب والاعتراف للفلسـ. طـ.ينيين بحقهم الشرعي في الاستقلال وإنشاء دولة مستقلة لهم، يخرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بورقة لإنهاء الحرب التي قاربت عن السنتين وقدم خطة أمريكية لتسوية نهائية للصراع بين فصائل المقـ .اومة الفلسـ. طينية وإسرائيل عرضها على حركة حـ. ماس بعد أن تشاور في بنودها مع ثمانية الدول العربية والإسلامية التي وافقت عليها.

عرض أمريكي

هذا العرض الأمريكي الذي تقدمه اليوم الإدارة الأمريكية لإنهاء الحرب الظالمة ومعها إنهاء معاناة سكان غـ .زة يحتوي على جملة من البنود من أهمها إيقاف الحرب وتوقف إسرائيل نهائيا عن كل أعمالها الحربية وانسحاب جيش الاحتلال من كامل تراب غزة مقابل الإفراج عن كامل الأسرى لدى حمـ. اس الأحياء منهم والأموات وبالتوازي يتم الإفراج عن حوالي 2000 سجين فلسطيني في سجون الاحتلال والشروع في عملية إعمار غزة بتمويل عربي خليجي مع نزع سلاح المقاومة وتوفير ممر آمن لخروج المقاتلين إلى أي جهة يريدون وعدم ضم الضفة الغربية وتسليم إدارة غزة إلى جهة دولية بمشاركة فلسطينية تحت وصايا أمريكية مباشرة يرأسها وزير الخارجية البريطاني الأسبق طوني بلير.

فرصة لإنقاذ نتنياهو؟

هذا البرنامج الذي قدمه الرئيس الأمريكي لإنهاء الحرب اعتبر فرصة قدمها ترامب لإنقاذ نتنياهو من ورطته وتخفيف الضغط العالمي المستمر على دولة الكيان المحتل ووسيلة لتدارك ما أسفرت عليه الحرب من إدانة واسعة لإسرائيل وفك عزلتها وتحويل الكرة إلى الملعب الفلسطيني وإحراج حركة حماس ومن ورائها فصائل المقاومة التي على ما يبدو قد فرضت عليها وضعية حرجة جدا تطالبها باتخاذ الموقف المطلوب من العرض الأمريكي الداعي إلى وقف الحرب بالشروط التي تضمنتها الوثيقة المقدمة يأخذ في الاعتبار الكثير من المعطيات…

من أهمها دواعي وغايات عملية طوفان الأقـ .صى وخاصة إحياء القضية الفلسـ. طينية التي تم تذويبها قبل عملية السابع من أكتوبر 2023 بغاية نسيانها وتداعياتها المأساوية على الشعب التي دامت سنتين كاملتين تعرض فيه السكان إلى قتل وتدمير وتجويع وعملية إبادة غير مسبوقة وكذلك التوازنات الإقليمية التي تغيرت بعد أن فقدت المقاومة أجنحة الإسناد المباشرة وهي حزب الله وإيران وسوريا التي تعرضت إلى ضربات أمريكية وإسرائيلية موجعة ومؤثرة…

هذه الوضعية أفقدت المقـ. اومة الكثير من قوتها إلى جانب تصفية الكثير من القيادات من الصف الأول سواء لدى حماس أو حزب الله أو إيران وكذلك تراجع الدعم الإقليمي المتمثل في دولة قطر وتركيا..
كل هذه المعطيات المؤثرة التي أثرت كثيرا في معادلة الصراع وغيّرت توازنات القوة والضعف هي التي جعلت في رأينا فصائل المقاومة بعد مشاورات مكثفة فيما بينها ترد على المقترح الأميركي لوقف إطلاق النار بإعلانها الموافقة الجزئية على الأفكار العامة وعلى الخطوط العريضة التي وردت في الرؤية الامريكية من أهمها وقف الحرب وتبادل الأسرى من الجانبين وانسحاب إسرائيل من كامل غزة والشروع في إعمارها وإدخال كل المساعدات اللازمة للقطاع على أن تبقى التفاصيل الأخرى موضوع مشاورات لاحقة.
المفيد في هذا الموقف الأولي الذي وافقت عليه كافة فصائل المقـ .اومة الفلسـ. طينية هو موقف قدم للعالم على أنه لا يمثل رأي حركة حماس فحسب وإنما هو موقف وطني ومسؤول وافقت عليه كل القوى الفلسطينية تم التوصل إليه بعد تشاور معمق فيما بينها لإنهاء العدوان على غزة تم أخذه بعد مراعاة كل الإكراهات والاحراجات وكل المتغيرات في التوازنات الإقليمية والتحولات في موازين القوى وخاصة وضع سكان غزة التي عانت كثيرا من أعمال القتل والتجويع والابادة والتدمير وفقدان السند الإقليمي ومواصلة إسرائيل في دعم من أمريكا والكثير من الحكومات الأوروبية في جرائمها.

في وضع لا تُحسد عليه

ما أردنا قوله هو أن حركة حماس ومن ورائها كافة الفصائل المسلحة التي تتصدر مقـ. اومة المحتل الإسرائيلي هي اليوم بعد العرض الأمريكي لوقف الحرب في وضع لا يحسد عليه وأمام خيارين أحلاهما مر واختيار أحدهما فيه الكثير من المجازفة.
الخيار الأول القبول بمقترح ترامب والموافقة على الرؤية الأمريكية لإنهاء الحرب بالشروط التي وردت في الوثيقة المقدمة والتي تنص على نزع سلاح المقاومة وإعطاء إدارة غزة لجهة دولية من دون مشاركة حماس ومن دون التعرض إلى مسألة حل القضية الفلسطينية وموضوع إنهاء الاحتلال والإعلان عن إقامة دولة مستقلة للشعب الفلسطيني وفق مقررات الشرعية الدولية وفي هذه الحالة تكون حماس قد أمضت على نهايتها وربما قد تساءل عن دواعي عملية طوفان الأقصى إذا لم تفض الحرب إلى الاعتراف بقيام دولة للفلسطينيين ولو أن هذا المأخذ يمكن الإجابة عنه ويحتاج مقالا آخر لتوضيحه.

منعرج كارثي

الخيار الثاني رفض مقترح الرئيس الأمريكي ومواصلة الحرب رغم كل المتغيرات والتحولات المؤثرة في معادلة الصراع وتوازنات المشهد الإقليمي وعندها سوف تكون غزة أمام مصير خطير ومنعرج كارثي بتوسيع دائرة الحرب والقتل والتدير والإبادة حتى إفراغ قطاع غزة من كامل سكانه وتصفية كل عناصر فصائل المقـ.اومة ومطاردتهم حتى القضاء عليهم خاصة وأنه في هذه الوضعية سوف تفقد المقـ. اومة ومن ورائها سكان غزة الحزام المتبقي لها وهو الدعم الإقليمي المتمثل في دولتي قطر وتركيا وفي هذه الحالة سوف تحمّل حماس مسؤولية تداعيات عدم قبول الموافقة على إنهاء الحرب وسوف تتهم بكونها هي المتسببة في مواصلة مأساة الشعب وكونها غلبت مصلحتها على مصلحة الشعب وفي هذه الوضعية سوف تتهم بكونها هي من رفض صوت الشعوب المناصرة لغزة ومطالب المنظمات الإنسانية لإيقاف الحرب حتى يتمكن سكان غزة من الحصول على الغذاء والدواء و البقاء على قيد الحياة.

تقدير الموقف الصحيح

المهم في كل هذا هو أن الوحيد الذي بإمكانه تقدير الموقف الصحيح والوحيد الذي يحق له اتخاذ الخيار المناسب هو الشعب الفلسطيني ومقاومته ولا يحق لأي كان أن يفكر مكانهم أو يدين أي قرار يتخذونه مهما بدا لنا مخطئا وغير سليم..

ومع ذلك يبقى السؤال هل من خيار آخر للعرض الأمريكي لوقف الحرب في غزة بدل خيار المقـ.اومة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى