صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب/ مؤشرات عن تحسّن الوضع الاقتصادي: الأسئلة والمحاذير

slama
كتب: نوفل سلامة

مؤشرات وأرقام هامة صدرت منذ مدة قليلة منها ما نشره المعهد الوطني للإحصاء، ومنها ما ورد في تقرير البنك المركزي تفيد عن بداية تحسن في الوضع الاقتصادي للبلاد وهي معطيات لم يقع الإهتمام بها بالقدر الكافي كما لم يقع التوقف عندها لتحليل أسبابها…

وفهم هل نحن سائرون في الطريق الصحيحة من حيث الخيارات التي اتخذتها الدولة والتوجهات الجديدة لبناء حالة تنموية جديدة؟ وذلك في علاقة بكل الشعارات التي رفعها مسار 25 جويلية 2021 كشعار التعويل على الذات، ورفض الخضوع لشروط وإملاءات المؤسسات المالية العالمية المانحة للقروض وقطع العلاقة مع صندوق النقد الدولي الذي اشترط منحنا قرضا ماليا قيمته 1.9 مليار دولار مقابل تطبيق شروطه..

‘شروط’ صندوق النقد

ومن بين شروط الصندوق التخلّي عن منظومة الدعم للمواد الأساسية والتقليص من كتلة الأجور والتوقف عن الانتدابات في الوظيفة العمومية…وغيرها من الشروط التي رفضتها الدولة التونسية واعتبرتها تدخلا في الشأن الداخلي فيها حد من السيادة الوطنية واستقلال القرار السياسي ومواصلة في نفس حالة الارتهان للخارج، واستعادة نهج الاستعمار الذي تتبعه قوى الاستعمار القديم…

حالة الاقتصاد

الأرقام التي أصدرها المعهد الوطني للإحصاء تخص حالة اقتصادنا خلال الثلاثي الثاني من العام الجاري، وهي تفيد بأن الاقتصاد التونسي قد سجّل نسبة نمو تقدر بـ 3.2 % مقارنة بالفترة ذاتها من السنة الفارطة وتحسّنا واضحا مقارنة بالثلاثي الأول من هذه السنة، وهذه النسبة المعلن عنها رغم أنها تخص ثلاثة أشهر فقط إلا أنها تعد أفضل أداء للاقتصاد التونسي منذ سنوات وأفضل نسبة نمو منذ سنة 2018.

تحسن في عدد من القطاعات

وتحسن مؤشر النمو هذا يمكن الإجابة عنه وتفسيره بإرجاعه إلى التحسن الذي شهده قطاع الفلاحة وخاصة الارتفاع الذي عرفته عائدات تصدير زيت الزيتون والتمور وتحسن في وضع الفسفاط وكذلك تحسن عائدات السياحة وقطاع الخدمات وتحويلات عمالنا بالخارج التي وفرت معا ( الفلاحة والسياحة ) 8.5 مليار دينار ما سمح بتسديد ديون الدولة الخارجية التي حل أجلها يضاف إلى ذلك التحكم في عملية التوريد والتقليص من المواد والمنتجات الموردة التي يمكن الاستغناء عنها وتعويضها بأخرى محلية للتقليل من هدر العملة الصعبة والمحافظة على مخزون معتبر منها نحتاجه في توريد المواد الأساسية الحياتية كالحبوب بأنواعها وإكمال النقص الحاصل في مادتي الغاز والبنزين وتغطية نفقات الطاقة.

وضعية البنوك

أما المؤشرات الأخرى الهامة فهي ما جاء في تقرير البنك المركزي عن الحالة المالية لبنوكنا وعن الوضع المالي عموما، والمعاملات بين البنوك حيث كشف التقرير عن تسجيل البنوك التونسية إلى حدود شهر أوت من السنة الحالية ارتفاعا مهما في رقم معاملاتها بلغت نسبة 28 % مقارنة بنفس الفترة من السنة الفارطة..

وقيمة هذا المؤشر في الدلالة على الحالة الجيدة للبنوك وعلى قدرتها على توفير السيولة اللازمة وعلى الحركية التي يشهدها القطاع البنكي الذي لم يتضرر نشاطه رغم كل التحذيرات التي رافقت عملية التعويل عليه لتمويل خزينة الدولة وتعبئة مواردها، بعد أن قررت الدولة أن تقترض من البنوك التونسية بدل التعويل على المؤسسات المالية العالمية وخاصة صندوق النقد الدولي..
وقيمة هذا المؤشر كذلك في بقاء البنوك الممول الوحيد للاقتصاد ولم تتراجع في دعم الاستثمار الداخلي والخارجي وبقى القطاع صامدا في تمويل المشاريع العامة والخاصة رغم كل ما قيل عن تراجعه عن تمويل القروض العائلية ودعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة إذا ما أقرض الدولة.

سؤال ملح

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم أمام هذه المؤشرات الإيجابية عن الحالة المالية وحالة الاقتصاد التونسي، هل أن هذه الأرقام وهذه المعطيات تدل على نجاح الخيارات التي اتبعتها الدولة وصحتها بعد مسار 25 جويلية 2021 وعن ظهور النتائج الأولى لهذه الخيارات؟
وهل تدل هذه الأرقام عن بداية تعافي وبداية انتعاشة الاقتصاد الذي عانى كثيرا في السنوات الأخيرة؟ وهل فعلا نحن في الطريق الصحيحة أم أن هذه المعطيات ما هي إلا مؤشرات ظرفية لا تعكس حقيقة وضعنا الاقتصادي المعقد والمركب ولا تقدم صورة واضحة عن استقرار الحالة الاقتصادية والمالية؟
بداية هذه الأرقام وهذه المعطيات التي نشرت في الأيام الأخيرة هي مؤشرات رغم أنها تخص فترة قصيرة من النشاط الاقتصادي وتهم ثلاثة أشهر فقط هي الثلاثية الثانية من السنة الحالية إلا أنها معطيات رسمية صادرة عن مؤسسات رسمية بالتالي لا يمكن التقليل من قيمتها، رغم أنها لا تغطي سنة كاملة ويجب أخذها بكل جدية في تحليل الوضع الاقتصادي للبلاد خاصة في علاقة بكل الحديث الذي رافق قرار الدولة التخلي عن صندوق النقد الدولي والتعويل عن النفس وعن الموارد الذاتية والذهاب إلى الاقتراض من البنوك التونسية والاعتماد على تحويلات العمال التونسيين بالخارج وعائدات قطاعي الفلاحة والسياحة وترشيد التوريد والتحكم في كتلة العملة الصعبة…

ذلك أن الخطاب الاقتصادي وقتها قد قلل من جدوى هذه الخيارات وشكك في هذا النهج وروج لخطاب تخويفي بأن البلاد في ظل هذه الخيارات سوف تعلن إفلاسها وسوف لن تقدر على تمويل نفقاتها العامة ولا توفير السيولة اللازمة لخلاص مزوديها وقدموا تحليلا يقول بأن الدولة إذا لم تقبل اللجوء إلى صندوق النقد الدولي فسوف تنهار وتعلن إفلاسها وسوف تضطر أن تذهب إلى نادي باريس.

نحو التعافي الاقتصادي؟

اللافت أن هذه الأرقام هي مؤشرات لا يمكن إنكار قيمتها وكونها تعكس حسن الخيارات وهي تفيد أن الاقتصاد بدأ يتعافى وفي طريق تحقيق انتعاشة ولو ظرفية مما يتحتم المحافظة عليها والاشتغال على تدعيمها والبناء على ما تحقق للوصول إلى حالة من الاستقرار والتعافي المستدام لا الوقتي.
ما يجب الانتباه إليه هو أن هذه المؤشرات الهامة لا يجب أن تغرينا كثيرا ولا أن تلهينا على بذل المزيد من الجهد لتحقيق المطلوب وهو استعادة الاقتصاد لقوته والابتعاد عن منطقة المخاطر التي تعيق الإقلاع وتحقيق النمو الكامل وبلوغ الحالة المستقرة التي تحقق الرخاء ومزيدا من الاستثمارات بما ينعكس على الوضع العام بالبلاد وخاصة وضع البطالة وخلق مواطن شغل جديدة والتفكير في سبل أخرى لتخليص اقتصادنا من التبعية للاقتصاد العالمي المهيمن والمتحكم في كل دواليب التجارة والمبادلات التجارية وخاصة التخلص من مسألة الارتهان للعوامل الخارجية سواء كانت مناخية وبفعل الطبيعة أو سياسية من اتفاقيات مفروضة وغيرها.

تحاليل خاطئة

ما يجب قوله هو أن كل التحاليل الاقتصادية التي صدرت عن الخبراء والمختصين في التحاليل المالية والاقتصادية تتهاوى اليوم أمام هذه الأرقام، وهذه المؤشرات وتسقط كذلك كل الخطابات التي روجت إلى تراجع الاستثمارات وخاصة الأجنبية في ظل خيارات الدولة حيث نلحظ اليوم أمام ما نشره البنك المركزي من ارتفاع في رقم معاملات البنوك التونسية، وعن وجود وضعية مالية جيدة للبنوك أن كل ما قيل عن تراجع الاستثمارات وتضرر الوضع الاقتصادي لم يكن صحيحا ولا دقيقا…

حيث عرف مناخ الاستثمار في الآونة الأخيرة قفزة كبيرة عكست الثقة الموجودة لدى المستثمرين وأصحاب المشاريع ورجال الأعمال في الاقتصاد التونسي الذي استعاد صفته الجالبة للاستثمار والبنوك التونسية قدرتها على دعم وتمويل مختلف المشاريع الاستثمارية ، حيث سجلت الاستثمارات الأجنبية خلال النصف الأول من السنة الحالية زيادة تقدر بـ 20.8 % مقارنة بنفس الفترة من السنة الفارطة وهذا التطور في حجم الاستثمارات يدل على ثقة المستثمرين في الاقتصاد التونسي والبنوك التونسية الممولة حيث أوضحت بيانات وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي أنه تم خلال الأشهر الستة الأولى من هذه السنة انجاز 623 عملية استثمارية خارج قطاع الطاقة مكنت من إحداث 4677 موطن شغل جديد.

ماذا عن المحللين؟

كل هذه الأرقام وهذه المعطيات وكل هذه المؤشرات الإيجابية عن الحالة المالية والاقتصادية تحتاج إلى وقفة لفهمها وتحليلها للإجابة على السؤال المهم لماذا لم تصدق تحاليل كل الخبراء الذين كان ظهورهم مكثفا بعد الثورة والذين روجوا لخطاب مخيف يبشر بإفلاس الدولة وقدموا تفسيرات سلبية إذا ما ابتعدت خيارات من يحكم عن المقاربات التي تدافع عن مواصلة الارتباط بالجهات الأجنبية ومواصلة الارتهان للبنوك الأجنبية وخاصة صندوق النقد الدولي وفك الارتباط مع المعرفة الاقتصادية المعولمة والمقولبة والمعرفة التي لا تخدم الا المستعمر القديم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى