نوفل سلامة يكتب/ بعد تعليق حرب إيران: العالم أمام مشروعية إنسانية جديدة


كتب: نوفل سلامة
بعد أن رفّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سقف تهديداته بنسف كل البنية التحتية وتدمير المنشآت الحيوية لإيران والتصريح بأن أمريكا سوف تعيد هذا البلد إلى العصر الحجري وتدمر حضارتها إن لم يرضخ النظام الإيراني للشروط الأمريكية والقيام بتنازلات لإنهاء الحرب التي وصلت إلى شهرها الثاني من دون أن تصل أمريكا إلى أهدافها المعلنة…
وبعد الإصرار الكبير الذي أبداه القادة الإيرانيين على مواصلة الحرب المفروضة عليهم وعدم الرضوخ إلى التهديدات التي يطلقها ساكن البيت الأبيض ويخيف بها العالم والثقة في النفس المصرح بها من قبل النظام الإيراني على أن إيران قادرة على هزم عدوها والصمود لأشهر أخرى بما تملكه من قدرات حربية على عكس ما صرح به الرئيس الأمريكي من أن أمريكا قد حققت أهدافها وأضعفت النظام الإيراني وانهكت قدراته العسكرية وقضت على برنامجه النووي وخاصة عملية تخصيب اليورانيوم.
مخاوف من كارثة كبرى
بعد الخوف الكبير الذي عمّ مختلف عواصم العالم وحكومات كل الدول المتضررة اقتصاديا من هذه الحرب من حلول كارثة غير مسبوقة لو نفذ ترامب تهديداته العبثية بتدمير إيران بالكامل، توصل الطرفان الإيراني والأمريكي إلى اتفاق بوقف الحرب بينهما مدته أسبوعان وهدنة قصيرة ولكنها مهمة لفسح المجال للوصول إلى وقف إطلاق النار كامل ودائم ومناقشة الوثيقة التي قدمتها إيران لوقف الحرب.
الأسئلة الحرجة التي تُطرح اليوم في كل الدوائر السياسية لمختلف عواصم العالم ولدى الشعوب الرافضة للحرب والمعارضة لهذه الهيمنة الغربية التي يمثلها الرئيس الأمريكي ونزعته الاستعمارية، لماذا قامت الحرب على إيران إن لم تحقق أمريكا وإسرائيل أهدافهما؟ وما أعلنا عنه من تغيير النظام الإيراني والقضاء على قادته المتشددين وتدمير قدرة إيران الصاروخية والقضاء على برنامجها النووي وتعيين مسؤولين جدد يكونون أكثر مرونة و تعاونا مع أمريكا وإسرائيل وتحويل إيران إلى شريك اقتصادي لا غير بعد السيطرة على مقدرته الطبيعية والاستفادة من مخزون النفط المتوفر لديها والقضاء على أذرع ايران في منطقة الشرق الأوسط في لبنان والعراق واليمن…
لم يتحقق أي هدف؟!
حيث تبين بعد أسابيع من الحرب أن لا شيء من هذه الأهداف قد تحقق رغم الخسائر في الأرواح والمباني التي تكبدتها إيران، واتضح أن النظام السياسي لا زال قائما ولا زال قويا ويتحكم في كل مفاصل الدولة ويدير الصراع رغم تصفية أبرز قادته من الصف الأول، وأن الشعب الإيراني كان متضامنا في عمومه وأن ورقة الثورة والتمرد على النظام والخروج إلى الشوارع في مظاهرات ضد النظام لم تتحقق حيث كشفت التقارير السياسية أن المخطط الأمريكي الإسرائيلي الذي حكم هذه الحرب كان المراهنة على قيام ثورة شعبية ضد النظام الإيراني بمجرد اندلاع الحرب وتصفية المرشد العام للثورة على خامنئي وأبرز قادة النظام من وزراء وقادة عسكريين حيث تلاشت هذه الاستراتيجية، وحتى ورقة الأقليات فشلت هي الأخرى بعد أن سقطت ورقة الأكراد الذين تمت استمالتهم و دعوتهم للتمرد لإرباك النظام الإيراني وإدخاله في حرب داخلية مع الأقليات الموجودة ومع المعارضة…
كل الأوراق سقطت!
بما يعني أن كل مقدمات الحرب التي أعلنت عنها أمريكا وطمأنت بها حلفائها من عرب الخليج والدول الأوروبية ومن خلالها توقعت ألا تتجاوز الحرب بضعة أيام يتم خلالها توجيه ضربة صاروخية لتصفية أبرز قادة النظام الإيراني يحصل بعدها فراغ سياسي وفوضى في إدارة الدولة يتم على إثرها إيكال الأمر للشعب لإنهاء عملية اسقاط النظام من خلال الخروج في مظاهرات حاشدة، وبعد ذلك تتدخل أمريكا لتنصيب قادة جدد…
أقوى من التوقعات
التطور الذي لم تقرأ له الاستراتيجية الحربية لأمريكا وإسرائيل أي حساب أن إيران وحزب الله على عكس ما يردده ترامب قد حافظا على قدراتهما الصاروخية وأن المعلومات المتوفرة لديه عن قدراتهما الحربية غير دقيقة ومضللة ومخطئة حيث أثبتت هذه الحرب أن إيران أقوى من كل التوقعات وتمتلك مخزونا من الصواريخ متطور جدا وأن حزب الله لم يضعُف رغم تصفية الكثير من قادته وأبرزهم أمينه العام الراحل حسن نصر الله وأنه يمتلك قدرة هائلة على تهديد إسرائيل في أي نقطة من الأراضي المحتلة، وأن الدمار الذي حصل للضاحية الجنوبية لم يمنع الحزب من إطلاق صواريخ في اتجاه عمق الكيان..
حرب عبثية
الورطة التي أوقع فيها ترامب العالم من وراء هذه الحرب العبثية وأوقع فيها نفسه أن الحرب اليوم قد حوّلتها إيران من هدف لتغيير النظام الإيراني والقضاء على قادته وتحويله إلى بلد تابع لأمريكا تجاريا واقتصاديا وإلى بلد لا يمثل أي تهديد للمنطقة وخاصة لإسرائيل إلى حرب من أجل فتح مضيق هرمز أمام الملاحة العالمية وحرب من أجل إيجاد صيغة تفاهم مع ايران لتمكين السفن التجارية للدول الأوروبية وخاصة السفن الناقلة للغاز والبترول من عبور المضيق نحو العواصم الأوروبية بعد أن حصلت أزمة عالمية في الوقود أثرّت على الوضع الاجتماعي للشعوب الغربية التي بدأت تتحرك ضد هذه الحرب التي يعتبرونها دون معنى.
مشروعية إنسانية جديدة
اليوم بعد صمود النظام الإيراني لأكثر من شهر وهو يواجه إسرائيل مدعومة ومسنودة بأكبر قوة عسكرية في العالم واليوم بعد أن أضحت إيران تتحكم في مجريات الحرب وتحدد قواعد الاشتباك وتفرض شروطها لإيقاف الحرب التي حولتها إلى معركة ذات طابع اقتصادي و تجاري من خلال التحكم في الملاحة العالمية عبر مضيق هرمز الذي تسيطر عليه، فإن العالم أمام مشروعية إنسانية جديدة لم يعد النظام الأخلاقي العالمي هو المتحكم في العلاقات الدولية ولا منظومة العولمة و هياكلها ومؤسساتها هي التي تنظم العلاقات بين الدول، مشروعية إنسانية جديدة الكلمة فيها لدول أخرى كانت خارج السياق الاستعماري المهيمن والذي تقوده أمريكا والغرب الأطلسي وحداثته المزيفة وفكر أنواره الكاذب.
اليوم بعد قبول ترامب رغم كل التهديدات التي اطلقها بإيقاف الحرب مع إيران ولو لفترة وفشله في تحقيق أي من أهدافه المعلنة والخفية ورضوخه إلى شروط إيران وأهمها التزام إسرائيل وأمريكا بإنهاء العمليات العسكرية ضد حلفائها في لبنان واليمن والعراق وإعطاء إيران الحق في فرض رسوم على عبور السفن من المضيق لتستخدم في إعادة الإعمار وتمكين إيران من تعويضات كاملة عن أضرار الحرب التي تسببت فيها إسرائيل وأمريكا، فإن العالم أمام مرحلة جديدة في علاقة دول الجنوب بالدول المتحكمة في مصير العالم والفارضة لهيمنتها والإنسانية على أعتاب سياق تاريخي جديد يُبشّر بإرساء نظام عالمي جديد بقواعد جديدة وعلاقات من نوع آخر وبرؤية فكرية وسياسية جديدة لإنهاء هيمنة عقل الرجل الأبيض المهيمن والقطع مع هيمنة الحضارة الغربية على باقي الحضارات والثقافات.




