صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: العزوف عن الزواج…أرقام تكشف التمثلات الجديدة والطموحات المؤجلة

slama
كتب: نوفل سلامة

آخر المعطيات الرسمية وآخر الأرقام المحيّنة المصرح بها والمتداولة في وسائل الإعلان، وتناقلها الشارع التونسي في الآونة الاخيرة ونشرها المعهد الوطني للإحصاء تقول بأن عقود الزواج قد شهدت تراجعا ملفتا من سنة إلى أخرى…

حيث أوضحت آخر الأرقام التي تعود إلى سنة 2021 إبرام 77 ألف عقد زواج مقابل 102.085 عقد سنة 2011 وارتفاع في حالات الطلاق التي بلغت 55 حالة طلاق يوميا و14 ألف حالة طلاق خلال سنة 2024…

هذه الأرقام أهلت تونس أن تحتل المرتبة الثانية عالميا بعد فرنسا في نسب الطلاق.

تحولات كبرى

من الأرقام الأخرى في علاقة بالإقبال على الزواج تفيد الإحصائيات أن معدل سن الزواج في تونس عند الرجال، قد بلغ حد 34.5 سنة مقابل 29 سنة عند الفتيات.
هذه المعطيات هي بمثابة المنبهات التي وجب اتخاذها بعين الاعتبار في دراسة الحالة الاجتماعية في تونس وإشارات مهمة على وجود تحولات كبرى في المجتمع التونسي في علاقة بنظرة أفراده لعلاقة الرجل بالمرأة ورؤية الطرفين لطبيعة الرابطة الزوجية وطريقة تفكيرهما في الزواج ومختلف المخاطر والمحفزات للإقبال عليه، وكذلك المخاطر والمخاوف من الإقدام على تكوين مشروع زواج وبناء أسرة.

قرار العزوبية!

المعطى الأهم والأبرز في قراءة توليفية لكل هذه الأرقام والمعطيات الأخرى المرتبطة بمسألة عزوف الشباب عن الزواج وارتفاع نسب الطلاق تؤكد تمدد ظاهرة العزوف عن الزواج في صفوف الجنسين وتأجيل عملية الارتباط، بل تأجيل حتى عملية التفكير في ربط علاقة تنتهي بزواج وتراجع هاجس الرغبة في الاستقرار وتكوين أسرة وتحول البقاء في وضع العزوبية إلى قرار مبدئي وصائب عند الكثير من شباب جيل اليوم بدل الدخول في مغامرة لم تعد محمودة العواقب، ونتائجها وخيمة وكلفتها باهظة خاصة لما تنتهي إلى فشل وطلاق..

كل هذه المعطيات تفيد أن المجتمع التونسي يمر بتحولات كبرى في مسألة الزواج وتغيرات نفسية وفكرية هامة لدى المعنيين من الجنسين، تخطت أسبابها مسألة الصعوبات الاقتصادية ووضع البطالة وتأخر فرص الحصول على عمل قار يوفر راتبا محترما و معقولا يسمح بتحمل مسؤولة بناء أسرة وإنجاب أبناء إلى مسألة بروز تمثلات جديدة وقيم ومبادئ أصبحت اليوم هي التي تتحكم وتحدد العلائق بين الجنسين…

لا جدوى من الزواج؟

فتمثلات الزواج لم تعد كما كانت من قبل منحصرة في البحث عن الاستقرار النفسي والأمان العاطفي وبناء شراكة دائمة والانتقال الى وضع المسؤولية على تواصل البشرية من خلال عملية الإنجاب وتكاثر النسل وبناء الأسر في تمثل للتصور الديني الموصي بالزواج باعتباره طقسا من الطقوس الدينية التي نصت عليها النصوص المؤسسة للإسلام…

وتحولت هذه التمثلات التقليدية إلى تمثلات أخرى حديثة تقوم على وجود اعتقاد سائد ومتحكم بأنه لا جدوى من الزواج وقناعة كبرى بوجوب مخاطر وتخوفات من الارتباط وعواقب جمة تفضي إلى تداعيات ما كان لها أن تقع لو بقي الفرد أعزبا، فالزواج اليوم في نظر الكثير من الشباب بات ينظر إليه على أنه مرحلة مخيفة محفوفة بكثير من المخاطر ومشروع في الغالب لم يعد كما كان في زمن الآباء والأجداد مثمرا وناجحا…

مؤسسة مشاكلها لا تُحصى

وتتأكد هذه القناعة حينما نتوقف عند حالات الطلاق التي بلغت حسب المعهد الوطني للإحصاء حدود 50 بالمائة خلال السنوات الخمس الأولى من الزواج وأن الكثير من حالات فك الرابطة الزوجية تحصل أشهر قليلة بعد الزواج أو خلال السنة أولى أو الثانية من الزواج، ما يعزز فكرة أن الزواج لم يعد مشروعا لتحقيق الاستقرار النفسي والعاطفي وتحول إلى وضعية متعبة ومقلقة ومشاكلها أكثر واخطر من جدواه وتجربة عمرها قصير وأسباب ذلك كثيرة تتجاوز المعطى الاقتصادي إلى مسائل أخرى تتعلق بطبيعة المعاملة وطريقة فض الخلافات التي قد تطرأ بعد مرحلة الخطوبة والعيش تحت سقف واحد حيث تظهر العيوب في السلوك وتنكشف الصورة الحقيقية التي كانت مخفية في الشخص…
فتظهر المعاملة العنيفة بالنسبة للرجل تجاه المرأة وتظهر حالات التمرد وفرض الذات والمطالبة بالاستقلالية في التصرف بالنسبة للمرأة تجاه الرجل كما اتضح أن من بين فشل العلاقة الزوجية في السنوات الأولى بعد الزواج وحتى في الأشهر الأولى مسألة عدم التوافق الجنسي والتفاهم العاطفي حيث اتضح أن ما يقارب 45 % من حالات الطلاق في السنوات الأولى بعد الزواج وراءها مشاكل جنسية مختلفة وعدم الانسجام والتوافق العاطفي الحائل دون تحقق العيش المشترك، نتيجة تباين في الثقافة والقيم والمبادئ والنظرة إلى الحياة والمستقبل…

كل هذه العوامل تؤدي إلى استنزاف العلاقة وتشل عملية التشارك على مشروع واحد والتخلي عن الرغبة في التنازل من الطرفين على بعض القناعات من أجل دوام وبقاء هذا المشروع المشترك.

عبء ثقيل

هذه التحولات في النظرة للزواج وهذا التغير في التمثلات للعلاقة الجنسية والنظرة إلى كيفية تكوين أسرة ومشروع بناء وضعية اجتماعية جديدة بقدر كبير من التفاهم وبأقل نسبة من المخاطر والصعوبات جعلت الشباب ينظر إلى الزواج باعتباره مجرد خيار غير ملح ليس بالضروري ومطمح مؤجل ويمكن تعويضه ومسألة يمكن تجاوزها ومشروعا هو بمثابة العبء الثقيل يستنزف طاقة الفرد ومقدراته النفسية والذهنية و المالية لينتهي في الأخير إلى الفشل ولم يعد ينظر إليه كضرورة وجودية وقيمة دينية واجتماعية وواجب اجتماعي ومحطة حتمية لاستمرار الحياة على وجه الأرض و دوام النسل لبقاء الوجود متواصلا.

علاقات ‘جديدة’

هذه التحولات في النظرة للزواج وهذه التمثلات الحديثة التي يتبناها نسبة كبيرة من جيل اليوم جعل الثقة في أهمية الزواج وقيمته كمدخل للاستقرار النفسي والأمان العاطفي تهتز، ويظهر بدلا عنه خيارات أخرى وبدائل أقل كلفة مادية وأقل مخاطر نفسية وأقل وعبئا بعد الطلاق وتحقق نوعا من الراحة النفسية والعاطفية المطلوبة من خلال ابتكار أنواع جديدة من العلاقات قد تكون دائمة من قبيل العلاقات الحرة التي يتحقق فيها كل شيء وتغيب فيها وعنها كل مشاكل العلاقات الرسمية وكل أخطار الزواج…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى