نوفل سلامة يكتب: احتجاجات إيران بين خيارات احتواء الأزمة وقدرة ‘البازار’ على الإطاحة بالنظام..


كتب: نوفل سلامة
تعرف إيران منذ أيام موجة من الاحتجاجات كبرى يقول عنها المراقبون إنها الأخطر منذ قيام الثورة الإيرانية وأنها ليست كسابقاتها وتختلف هذه المرة عن كل الاحتجاجات التي أعقبت مقتل الشابة ‘ميسا أميني’…
وكل التحركات التي اندلعت على خلفية المطالبة بالحقوق والحريات في علاقة بقضية فرض غطاء الرأس على المرأة الإيرانية والمطالبة بتخفيف تدخل الدولة في حرية الأفراد والحد من تقييد الحريات الشخصية للشعب بالرغم من أن الذي قاد تلك الاحتجاجات كانت فئات اجتماعية مهمشة وأعداد كبيرة من المهمشين، وكل الغاضبين على النظام من طلبة الجامعات وشباب الأحياء الفقيرة بسبب سياساته الاجتماعية وخياراته الاقتصادية…
وأيضا بسبب المتاعب التي يعاني منها الشعب من السياسة الخارجية التي تتبعها الدولة في علاقتها مع الغرب وما نتج عنها من حصار اقتصادي لم يعد الشعب يتحمّله.
طبقة ‘البازار’ تتحرّك
الجديد في الاحتجاجات الحالية والتي جعلت رقعة الغضب تتمدّد إلى الكثير من المدن والمقاطعات الإيرانية وتأخذ شكلا عنيفا ومصادمات مع رجال الأمن هو دخول طبقة التجار العليا والمتوسطة، والتي يطلق عليها لقب ‘البازار’ إلى صف المحتجين وهي الطبقة التي بقيت محافظة على صمتها لفترة طويلة بعد قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبقيت وفية لشعارات الثورة وخط الأمام الخميني..
ولكنها بدأت منذ فترة تخرج عن هذا الصمت لتعلن هذه المرة تضررها من قرار الحكومة الزيادة في سعر الوقود الذي انعكس سلبا على جميع الخدمات في البلاد، وتفاقم من غلاء المعيشة وأدى إلى ارتفاع الأسعار وتدهور المقدرة الشرائية للشعب وخاصة الطبقات الاجتماعية الفقيرة، وأثر على قيمة العملة الإيرانية وأفقدتها توازنها وتقلص مخزونها في البنوك مما نتج عنه انحسار السيولة المالية التي أضرت ضررا مباشرا بالتجارة وكل المعاملات الاقتصادية وامتد أثرها إلى التجار وبقية الفاعلين الاقتصاديين..
حلقة جديدة
يذهب بعض الملاحظين إلى أن ما يحصل اليوم في إيران من احتجاجات شارعية بداعي غلاء المعيشة ما هو في الحقيقية إلا حلقة أخرى من حلقات الصراع المفروض على إيران ومحاولة القوى المعادية إسقاط نظام حكمها من خلال تحريك الملف الاجتماعي بعد أن فشل إسقاطه باستعمال ورقة المطالب الحقوقية، حيث تراهن هذه القوى على إحراج السلطة من خلال الملف الاجتماعي واستغلال وتوظيف المصاعب الاقتصادية التي تمر بها البلاد لتحريك الشارع للمطالبة بتحسين الوضع الاجتماعي الذي لم يعد بالإمكان تأجيله في ظل عقوبات دولية مرتبطة بالملف النووي وأزمة سيولة حادة نتيجة تراجع قيمة العملة المحلية…
بالإضافة إلى انفاق كميات كبيرة من العملة الصعبة في التوريد وتأخر الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة في ظل بلد يعرف حصارا دوليا ومخاوف متزايدة من إمكانية تصعيد عسكري جديد مع إسرائيل بالإضافة إلى أزمة جفاف غير مسبوقة طالت مناطق واسعة من البلاد.
إسقاط النظام؟
هذا التحليل الذي يُرجع ما يحصل في إيران الى العامل الأجنبي وإلى المؤامرة التي تُدبر لهذا البلد قصد التخلص من النظام القائم الذي لم يعُد حسب أمريكا وإسرائيل من الممكن القبول به في فضاء عالمي قاعدته الأولى الولاء والخضوع والتبعية للقوى العالمية المهيمنة، يعتبر أن النظام السياسي الذي لا يمكن إسقاطه بتحريك الملف الحقوقي يمكن اسقاطه و الوصول إلى هذا الهدف من خلال الملف الاجتماعي، وهو ملف أخطر من كل الملفات خاصة وأنه يلامس حياة الناس ويقترب من معيشتهم ومستقبلهم وخطورته تكمن في انضمام طبقة التجار إلى هذا الحراك الذي يسانده إلى جانب الطبقات الاجتماعية الشعبية طلبة الجامعات الفاعل الرئيسي في كل الاحتجاجات التي حصلت في إيران…
ثقل مالي واقتصادي كبير
وحينما نقول البازار أو طبقة التجار فإننا نتذكر الدور الكبير والحاسم الذي لعبته في إسقاط حكم الشاه أيام الثورة الإيرانية، بما يعني أن هذه الطبقة التي تتحكم في التجارة وتملك المال لها وزنها وثقلها الكبير في معادلة الحكم في البلاد
وخسارتها تعني خسارة جهة مؤثرة في مساندة الحكومة والنظام الحاكم، وهذا الأمر هو الذي دفع بالرئيس الإيراني إلى التصريح بكل وضوح أنه على الحكومة أن تنصت إلى مطالب الشارع وتجري الإصلاحات اللازمة التي يطالب بها المحتجون و التحذير من أن التمادي في الإنكار مآله الذهاب بالبلاد إلى المجهول.
وبقطع النظر عن هذا التفسير أو التفسير الآخر الذي يرجع الاحتجاجات إلى الصراع الداخلي بين أجنحة الحكم وتحديدا بين الحرس الثوري والحكومة من أجل تنحية رئيس الحكومة الحالي الذي لا يلقى القبول لدى الجهاز الأمني الماسك بالحكم في إيران، رأي يُلمح إلى أن جهاز الحرس الثوري هو الذي حرّك الشارع وهو من كان وراء اندلاع الاحتجاجات من أجل اسقاط الحكومة التي يتهمها بسوء إدارة الملف الاجتماعي وتتحمل المسؤولية في غلاء المعيشة وغضب الشارع وتعيين شخصية أخرى تكون قريبة من الحرس الثوري تتولى تشكيل حكومة جديدة، فإن كل التفكير منصب اليوم حول كيف يمكن احتواء الأزمة؟
وما هي الخيارات الممكنة المتوفرة لدى الحكومة لتجاوز غضب الشارع الذي انتفض هذه المرة من أجل قوته ومعيشته وغلاء الأسعار؟
حسن إدارة الأزمة
يذهب بعض الملمين بالشأن الإيراني إلى أن المطلوب من الحكومة الحالية القيام به في المقام الأول هو حسن إدارة الأزمة بطريقة لا توقعها في التخبط أو الدخول في رد الفعل من خلال الحل الأمني، وتوظيف كل امكانياتها ومقدراتها وهي موجودة ومتوفرة للحد من الضغوط الداخلية واتخاذ القرارات الموجعة من ذلك إلزام الشركات المصدرة بالتوقف عن إخراج العملات الصعبة إلى الخارج، والتوقف عن جلب البضائع المستوردة والتي تم إغراق السوق الداخلية بها وأضرت بالصناعات المحلية والإعلان عن قرارات في صالح الشعب في علاقة بتوفير السيولة اللازمة في البنوك المحلية..
بالاضافة إلى مراجعة أسعار المواد الغذائية والحد من الغلاء وتحسين المقدرة الشرائية للمواطنين وهي كلها إجراءات مستعجلة الحكومة الإيرانية قادرة عليها لاحتواء الأزمة وتفويت الفرصة على اعدائها لتأليب الشعب عليها من وراء مطالب اجتماعية مشروعة، خاصة وأن النظام الإيراني قد تعايش لسنوات مع هذه الأزمات وصمد أمام العقوبات القاسية وحصلت له دربة في التعامل مع الاحتجاجات الشعبية التي كان البعض منها تحركه قوى خارجية واستطاع في كل مرة أن يتجاوزها بأخف الأضرار وبأقل كلفة ممكنة.
المهم والمفيد الذي نخرج به من المشهد الإيراني الحالي أن الشعوب قد لا تحركها المطالب الحقوقية وقد لا تتحمس كثيرا لمسألة الحريات والديمقراطية، وربما تتأخر في مساندة من يقاوم الأنظمة الاستبدادية، ولكن نفس هذه الشعوب في لحظة ما قد تخرج عن هدوئها وتعلن غضبها وتتمرد على النظام وتخرج إلى الشوارع إذا ما هددت في معيشتها وتضرر وضعها الاجتماعي ونفد صبرها على تأخر تحسن الأوضاع .. وسواء كان النظام إسلاميا أو علمانيا أو كان ديمقراطيا أو تسلطيا فإن الشعوب تخرج عليه إذا تهدد قوتها وتضررت مقدرتها الشرائية وخافت على حياتها…




