نوفل سلامة يكتب/ إصلاح التعليم: الخيارات ‘الكولونيالية’ والتبعية الناعمة..


كتب: نوفل سلامة
الحديث عن التعليم وعن المنظومة التربوية هو حديث متواصل لم ينته يوما والتفكير في إصلاح منظومة التعليم، هو كذلك هاجس قديم وقضية مركزية في كل الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال وإلى اليوم…
وقد زاد الحديث عن ضرورة إصلاح المدرسة التونسية بعد الثورة بعد أن فتح المجال واسعا لحرية الرأي والتعبير لانتقاد خيارات السياسة التعليمية للدولة وإبراز مكان الضعف ومواطن الخلل في توجهات مشاريع الإصلاح الكبرى، ونقصد هنا أساسا إصلاح سنة 1991 وإصلاح سنة 2012…
ضرورة المراجعة
وقد كان النقد موجها إلى دعوة الدولة مراجعة التوجهات والمرجعيات المتبعة وإعادة النظر في المقاربة التربوية في علاقة بالبرامج والمقررات والمضمون المقدم للتلميذ، وفي علاقة كذلك بالزمن المدرسي الذي اتضح أنه زمن ممتد متعب وممل للتلميذ والمدرس على حد السواء، وفي علاقة بالفضاء المدرسي الذي قيل فيه كلاما كثيرا من حيث تهيئته وتجديده بما يجعله ملائما مع العملية التربوية وفضاء قابلا للتعليم…
وفي علاقة بالمدرس ومسألة التكوين اللازم والزاد البيداغوجي المطلوب توفره على اعتبار أن أي إصلاح وأي تجديد لأي تعليم يتوقف نجاحه على المدرس الذي سوف تُوكل إليه مهمة تنفيذ هذا الإصلاح لذلك كانت مسألة تأهيل المربي ووعيه بمسألة التغيير وإيمانه بالتغيير وامتلاكه القدرات والمؤهلات اللازمة، هي مسألة مهمة للغاية في كل مشاريع الإصلاح.
مدرسة ‘مريضة’؟
لكن العودة هذه الأيام للحديث عن مشروع إصلاح التعليم في تونس والذي طال فيه النقاش وانتظره الجميع بفارغ الصبر بعد أن حصل الإجماع على أن المدرسة التونسية في راهنها مريضة وأن منظومتنا التربوية متعبة ومعطوبة، وأن الخيارات التعليمية فاشلة أو منتهية الصلاحية وأن هذه الخيارات التي أفرزتها مشاريع إصلاح التعليم قد أنتجت كوارث وتسببت في التضحية بأجيال من أبنائنا وانتجت تلاميذ لا يعرفون القراءة ولا الكتابة وعلاقتهم بلغتهم الأم ضعيفة جدا و زادهم المعرفي ضحل للغاية و محصولهم من الثقافة العامة هو الآخر ضعيف جدا…
وانتجت أجيالا مقطوعة الصلة بتاريخها وثقافتها وهويتها ولا رابط لهم مع أي انتماء يشدّهم إلى هذه الأرض وهي خيارات تعليمية أنتجت أجيالا تمتلك شهائد علمية من دون وعي حضاري ولا إدراك بتحديات المرحلة والتحديات العالمية، جيل تربى على الرغبة في كسب المال والرغبة في الهجرة وبناء المستقبل خارج الوطن، جيل لا معنى في وعيه لضرورة أن يكون للتعليم دور في البناء الحضاري وتحقيق النهضة والتقدم والرقي بالوطن…
أدوار الاستعمار
العودة هذه المرة للحديث عن إصلاح التعليم لم يكن من وراء مناقشة مختلف مقاربات الإصلاح المقترحة وإنما من وراء قضية خطيرة خلنا أننا قد تخلصنا منها و انتهينا معها تتعلق بالأدوار التي لا زالت قوى الاستعمار القديم تلعبها في بلادنا والمجالات التي مازال الأجنبي يتدخل فيها، ومنها المجال التربوي حيث تم في الأيام الأخيرة الإعلان عن انطلاق في مشروع لإصلاح التعليم الجامعي وتجديد المناهج وتحديثها بالاستعانة بجهات أجنبية وتحديدا جهات فرنسية في عملية خطيرة لمواصلة تبعية بلادنا للخارج و الهيمنة الأجنبية من بوابة التعليم والتربية…
تبعية أكاديمية
وخطورة هذا التمشي وهذا الخيار تكمن في جعل الإصلاح رهين توصيات وشروط القوى المهيمنة في العالم وبمقاربة أجنبية ومضمون معرفي لا يمكن إلا أن يُكرّس قيّما ومبادئ ومرجعيات أخلاقية ومعرفية تزيد من تعميق حالة التبعية الأكاديمية للغرب ومنظومته الكونية المهيمنة، وتجعل بلادنا تابعة للخيارات التي لا تخدم الوطن من حيث ارتباطها برهانات وطموحات أخرى لم نتفق عليها ولم نخترها، ولا تشبهنا وبعيدة كل البعد عن رؤيتنا لما نريده من التعليم وما نطمح إليه لتلميذ الغد في عملية ربط التعليم بالتنمية الوطنية وتكوين شخصية فرد أصيلة ذات بعد حضاري وثقافي أصيلة بعيدا عن صناعة أفراد متحللين من كل ارتباط بالوطن في استراتيجية لتنفيذ أجندات خارجية تعمل على فرض سياساتها التعليمية، وتحويل الإصلاح الذي نريده الى أداة لتقوية الهيمنة الخارجية واختزال التعليم في مسائل تقنية شكلية وتغييب المضمون الذي نحتاج إليه ونريده نابعا من خصوصيتنا و حاجياتنا و ملتصقا بقضايانا المصيرية.
استعمار بـ ‘أساليب مستحدثة’
الخطير في هذا التمشي وهذا الخيار في الاعتماد على الأجنبي الفرنسي والاستعانة بالآخر المهيمن والذي يريد فرض نظرته ودوام استعماره بطرق أخرى مختلفة عن الجانب العسكري واحتلال الأرض كونه خيارا يفتح الباب لمواصلة هيمنة الفكر الكولونيالي و يسمح بمواصلة فرنسا لوصايتها علينا، والتحكّم في حلولنا لقضايانا و شؤوننا الداخلية وخاصة وصاياها في مسألة تعد من مسائل الأمن القومي التي يتطلب فيها إعلاء السيادة الوطنية واستقلال قرارنا السيادي…
التبعية الناعمة؟
وهو خيار يعيد الجدل من جديد حول محاولات الأجنبي المتكررة إلى اخضاعنا إلى ما سماه نبيل السويسي أستاذ التعليم العالي بجامعة تونس المنار بـ ‘التبعية الناعمة’ وهي توجه وخيار سبق للوزيرة السابقة سلوى العباسي أن رفضته حيث أكدت في تصريح سابق لها أن تعطيل إصلاح التعليم في تونس وتعثره سببه رفض الغيورين على هذا الوطن للتدخل الأجنبي حيث وقفت على وجود أجانب من جنسيات عديدة منح لها القرار في مسألة التعليم، وكانت ماسكة بزمام مشاريع كبرى للإصلاح التربوي تتعلق أساسا بكفاءات متعلمينا ومدرسينا اللغوية، وفي مادة الرياضيات مشيرة الى وجود تمويلات ضخمة تحصلت عليها تونس في شكل قروض وهبات تم رصدها لتنفيذ هذه المشاريع بخيارات فرنسا ومن ورائها دول الاتحاد الأوروبي وهي كلها اعتمادات لا يمكن أن تُفهم إلا في إطار فرض الهيمنة على السيادة التربوية…
ويُذكر أن هذه الوزيرة قد أرجعت هذه المشاريع وطالبت أن يُشرف على الإصلاح كفاءات تونسية وأن لا تُعطى إلى جهات خارجية وخبراء أجانب حتى يكون الإصلاح نابعا من منوال تربوي تونسي يعكس سيادتنا وحقيقة استقلالنا وقدرتنا على إدارة شؤوننا بأنفسنا.
ما الداعي وراء هذه الخيارات؟
الخطير في المسألة والذي نبهت إليه روضة بن عثمان أستاذة العلوم الإنسانية والاجتماعية بالجامعة التونسية هو كيف يمكن أن نسمح لأنفسنا أن نمنح الإشراف على مشروع لإصلاح التعليم إلى جهات فرنسية؟ وما الداعي لاستدعاء المعهد الفرنسي للمشاركة في هذه العملية؟ و ما هي الجهة التي خولت لفرنسا وسمحت لها بالإشراف على إدارة مجال وميدان حساس يعتبر من مجالات سيادتنا وأمننا القومي؟
الخطير في كون المشرفين على مشروع الإصلاح والقائمين عليه لم يقطعوا بعد مع العقلية والثقافة التي تعيد نفس الحلول القديمة الفاشلة و تستنسخ حلول الدول الغربية التي اعتمدت نظما في التعليم نابعة من خياراتها وتعكس رؤيتها هي للتعليم وتلائم بيئتها وثقافتها وهي بالضرورة غير صالحة لنا ولا نابعة من بيئتنا وخصوصيتنا؟
الخطير أنه بعد ما يقارب عن السبعين عاما من الاستقلال نسمح لأنفسنا بأن تكون فرنسا هي من يشرف على اصلاح تعليمنا لطالما انتظرناه وأردناه تونسيا وبعقول تونسية وغايات وأهداف ورؤية وطنية بعيدة عن كل هيمنة استعمارية متواصلة.
الرهان على خيارات أجنبية؟
الأمر غير المفهوم في سلوك مسؤولينا والقائمين على مشروع الإصلاح الجديد من سياسيين وإداريين في مواصلتهم اتباع نفس الخيارات القديمة الفاشلة واصرارهم العجيب على إعادة نفس الأخطاء المرتكبة والتي كانت سببا في تدهور التعليم، وفي عدم رغبتهم بفك الارتباط مع هيمنة العقل الكولونيالي الذي مازال على ما يبدو يسجل حضوره بقوة، فرغم أن كل التقييمات لمنظومة التعليم الحالي والتي تم اعتمادها وإقرارها من خلال النسخة الفرنسية قد أكدت فشلها ونهاية صلاحيتها ولم تعد مفيدة ومع ذلك فإن المشرفين على الإصلاح الحالي مصرين على العودة من جديد إلى الخيار الفرنسي والاستعانة بالفرنسيين للإشراف على مشروع إصلاح التعليم والعودة من جديد إلى رؤية المستعمر القديم للتعليم، في الوقت الذي تشهد فيه بلادنا وعيا واسعا مناهضا للنزعة الكولونيالية وصحوة تيار وطني مقاوم للهيمنة الغربية في المعرفة وصد أكاديمي في جامعاتنا من طرف الكثير من الأساتذة للمركزية الغربية للفكر.
الأمر غير المفهوم في جانب من طبقتنا السياسية في مواصلتها المراهنة على الخيارات التي تأتينا من وراء البحار وثقتها في المقاربات الفرنسية التي تعمل على استعادة حضورها في بلادنا واستعادة هيمنتها على عقولنا واعلاء الثقافة الكولونيالية مقابل إقصاء للخبرات التونسية واستبعاد العقول الوطنية ومنع الإشراف على كل إصلاح تحتاجه البلاد وخاصة إصلاح التربية والتعليم إلى شخصيات تونسية مقتدرة وهي موجودة.
الأمر غير المفهوم في وجود عقلية وثقافة تعيش بيننا تعمل على جعل تونس تصطف دوما وراء فرنسا وتابعة للاتحاد الأوروبي وتحت هيمنة الغرب الكولونيالي في الوقت الذي نشهد فيه خروج الكثير من الدول الإفريقية من مربع هيمنة فرنسا عليها وانهاء الوصايا الاستعمارية على شؤونها الداخلية والكثير من الدول الإفريقية قد استعادت سيادتها الوطنية وقرارها السياسي والسيادي وقطعت الصلة مع التدخل الفرنسي والأوروبي في الخيارات الوطنية وأخذت زمام أمورها في إصلاح مجتمعاتها.




