صالون الصريح

نقشة: الجريدة الأطول عمرا ولسانا في تونس..

كتب صالح الحاجّة

أن انسى فلن انسى تلك الصدفة الجميلة التي جمعتني بـ قيدوم الصحفيين محمد المرزوقي، وانا اتمشى ذات صباح خريفي من السبعينات في نهج علي باش حامبة بالعاصمة ..

كان يُسرع الخطى وبيده ملف ضخم ولما استوقفته اعتذر قائلا: ‘ولدي راني مزروب برشة نحب نخلط على المطبعة قبل ما تسكر’..

ولكنه رغم ذلك دخل معي في دردشة طريفة كالعادة..

وكان في منتهى السعادة بكتابه الجديد الذي صدر منذ أيام ..
كان كالطفل الصغير الذي اشترى لعبة كان يحلم بها..
ومحمد المرزوقي كان من بين أشهر الصحفيين في جيله…واشتغل بعديد الصحف التونسية …
بدأ بالصحافة وانهى رحلته بالادب الشعبي ..
وكان هذا الادب يحظى بمتابعة واسعة من الناس ..
وأظن أن هذه المتابعة ترجع الى اللهجة العامية ..
كانت قصص ..وحكايات ..ودراسات …وبحوث المرزوقي تحظى باهتمام الناس ويقبلون على قراءتها في الكتب ويستمعون إليها عبر الاذاعة الوطنية …
وهو ما كان يحدث مع اسمار وحكايات وتمثيليات عبد العزيز العروي …
لقد كانت محل اهتمام الناس وكان العروي سيد الميكروفون بلا منازع …
ولذلك من المغالطة أن يُقال اليوم إن الثقافة الوطنية لم تعرف اللهجة العامية الا في هذه السنوات ..
هذا ادعاء ظالم وخاطئ ..
اللهجة العامية كانت مستعملة منذ القديم …ويكفي ان نعود الى الشعر الشعبي لنجد أنهارا وبحارا من القول الجميل والبليغ الذي يرتقي الى مستوى الابداع الانساني الراقي والبديع ..
وهناك عشرات الشعراء الذين نالوا مكانة مرموقة وشهرة واسعة بفضل قصائدهم الشعبية الرائعة ولعل اشهرهم الشاعر المشاكس عبد الرحمان الكافي الذي يزعم البعض انه من الكاف بينما هناك من يؤكد انه اصيل جندوبة وهذا الاختلاف لا يفسد للود قضية ..هو في كل الحالات شاعر تونسي نعتز به ..
أما الصحافة الشعبية التي كانت تخاطب الناس بلغة سهلة وبسيطة اقرب ما تكون إلى اللهجة العامية فحدث ولا حرج …
كانت صحافة تحظى بإقبال واسع وتعبر عن الناس وهمومهم واهتماماتهم بأسلوب ‘خاطب الناس بما يفهمون’…
وكان حسين الجزيري اكثر الصحفيين في تونس الذين اتقنوا اللعبة …
كانت جريدته ‘النديم’ الاكثر انتشارا على مدى سنوات طويلة …
ولذلك كانت الأطول عمرا …والاكثر رواجا …والأطول لسانا …
والغريب ان صاحبها ‘عم حسين’ رجل وديع ومهذب وربما حتى ‘حشام شوية’ ويتكلم بصوت هادئ ومنخفض، ولكن اشهد انه رجل واثق من نفسه ووقور جدا …
كان صاحب قلم وجريدة..
القلم شرس عبارة عن اداة توزع ‘الزرارق’ بكل صرامة ..
والجريدة رغم حجمها الصغير وصفحاتها القليلة تتميز بقدرة عجيبة على الصمود..
لقد عاشت..وكانت كالجبل الشامخ ..

تاريخ الصحافة التونسية
حسين الجزيري
محمد المرزوقي
الصحافة التونسية
جريدة النديم

ومن أشهر قصائد عبد الرحمان الكافي قصيدته “الزمارة ” التي
ألّفها سنة 1924
هي مزمّرة و زادولها زمَّاره …
لا فايدة لا منفعة لا ضماره …
الوقت مزمّر …
الشرّ خلط على ذرعانه شمّر . .
الناس تشكي من الغلاء تتذمّر …
والفقري صايرة عيشتو مرّاره
يا من جيت باش تعمّر …
دزّتك ماهي شبوب عماره …
الأمة حـــــــــــارت …
الأسعار في يومين طارت …
التجّار علينا يا رفيقي جارت …
بياع الخضرة عاند الجزاره …
على بعضها العباد راهي غارت …
سبب الهم حريّة التجاره …
زمّرتوهــــــــا …
على الضعيف من ساسها قلبتوها …
في الجو الخبزة عليه طيّرتوها ….
التاجر استغنى، ربح في مشواره ..
غنيتو البعض و البعض فقـّرتوها …
ما تخصنا كان نغمة الزماره …
الغلا راهو كوانـــــــا …
سيب علينا عسكره و أعوانه …
اللي نشكوله ما سمع دعوانا …
من جيهتنا مغمضين أنظاره …
طبيبنا ما حب يعطي دوانا …
في عوض المسهل جاب هالزمّاره …

عبد الرحمان الكافي ( ولد 1885 – و توفي 1934)
ااعود لمحمد المرزوقي لاقول ان حياته انما هي جزء هام وعظيم من تاريخ الصحافة الوطنية …
لقد اعطى للصحافة دون حساب ثم نجا منها بالهروب الى العمل الاداري دون ان يتخلى عن شغفه بالادب الشعبي ..
يقول عنه اسامة الراعي :

“قصيدة “الزمارة ” للشاعر عبد الرحمان الكافي(صاحب ملزومة الصبر لله والرجــــــوع لربّي)،
ألّفها سنة 1924
هي مزمّرة و زادولها زمَّاره …
لا فايدة لا منفعة لا ضماره …
الوقت مزمّر …
الشرّ خلط على ذرعانه شمّر . .
الناس تشكي من الغلاء تتذمّر …
والفقري صايرة عيشتو مرّاره
يا من جيت باش تعمّر …
دزّتك ماهي شبوب عماره …
الأمة حـــــــــــارت …
الأسعار في يومين طارت …
التجّار علينا يا رفيقي جارت …
بياع الخضرة عاند الجزاره …
على بعضها العباد راهي غارت …
سبب الهم حريّة التجاره …
زمّرتوهــــــــا …
على الضعيف من ساسها قلبتوها …
في الجو الخبزة عليه طيّرتوها ….
التاجر استغنى، ربح في مشواره ..
غنيتو البعض و البعض فقـّرتوها …
ما تخصنا كان نغمة الزماره …
الغلا راهو كوانـــــــا …
سيب علينا عسكره و أعوانه …
اللي نشكوله ما سمع دعوانا …
من جيهتنا مغمضين أنظاره …
طبيبنا ما حب يعطي دوانا …
في عوض المسهل جاب هالزمّاره …
عبد الرحمان الكافي ( ولد 1885 – و توفي 1934)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى