صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب/ علي الرياحي (1912-1970): المطرب الذي غادر الدنيا وهو يشدو فوق الركح

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

‘….النار اللي لهبتني
تجرح فيّ أجراح
في داخل قلبي حرقتني
قتلتني بلا سلاح’

هكذا غرّد مساء السابع والعشرين من شهر مارس من عام 1970 على المسرح البلدي المطرب علي الرياحي من كلمات الشاعر يوسف الجمني قبل أن يخرّ على الركح مغميّا عليه فنُقل من أمام جمهوره إلى المستشفى، ولكن الموت كان دونه…

فغادر هذه الحياة الدنيا كمثل الأبطال الأسطوريين الذين يقضون نحبهم في ساحة الوغى، غادرنا وهو في سنّ 58 عاما إذ أنه مولود في 30 مارس 1912 في بيت عزّ وشرف إذ أنه من سلالة العلامة إبراهيم الرياحي (1764-1850) قطب التيجانية في الديار التونسية.

شغف الموسيقى

يقول العارفون بسيرته أنّ شغفه بالموسيقى يعود إلى أمرين: الأوّل أنّ والده محمد كان يعزف على آلة القانون الذي غرس فيه التماهي بالموسيقى الشرقية، أمّا الثاني فيعود إلى أنّ صديق العائلة الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور قدّم هديّة للشاب علي تتمثل في ‘فونوغراف’ مع جملة من الاسطوانات.
كان الفتى يعيش بين مدينتي تونس العتيقة أي نهج الباشا وبئر الحجار وتونس الجديدة أي ما وراء باب بحر حيث أنه تابع تعلمه بمعهد كارنو ممّا أثرى سمعه وأغنى قريحته عندما طمح إلى الولوج إلى عالم الفنّ، وهو ما كان يُعدّ بدعة في زمانه إذ أنّ الغناء أمام الجمهور كان حصرا آنذاك على النسوة الملقبات بـ ‘الصانعات’.

تجرّأ وتحدّى

ولكنّ صاحبنا تجرّأ وتحدّى، فلقد جرى الفنّ في عروقه مجرى الدم، فعلى الرغم من عدم تمكنه من الترقيم الموسيقي فلقد أقدم على التلحين، فالأداء وحتى النظم، ولقد استفاد أيّما إفادة من مكوثه أحيانا بمحل عبد العزيز جميّل القريب من مسكنه والذي كان يؤمّه كبار الفنانين ما بين الحربين.
ابتدأت مغامرة سيدي علي ـ كما يحلو لجمهوره تسميته ـ يوم 17 ديسمبر 1936 في قصر الجمعيات الفرنسية (دار ابن رشيق حاليا) حيث أحيا حفلا أمام قاعة غاصّة بالمتفرجين.
كتب عبد العزيز العروي في جريدة “Le petit Matin” في عددها الصادر يوم 19 ديسمبر 1936: ” إنه لحدث استثنائي سوف يشكّل علامة مفصليّة في تاريخ المجتمع التونسي، إنّ علي الرياحي جريء ولكنه مطرب متميّز يعرف كيف يحرّك مشاعر النّاس”.
لقد ظهر هذا المطرب الشاب بمظهر غير معتاد إذ أنه كان متأنقا متأثرا بأساطين الموسيقى في فرنسا من أمثال Maurice Chevalier وCharles Trenet.
كما أنّ محمود بيرم التونسي صاحب جريدة الشباب أشاد بنجاح ذلك الحفل الذي أثثته فرقة تضمّ أبرز العازفين من أمثال محمد التريكي وعلي السريتي والهادي الجويني وإبراهيم صالح، كما أشاد آخرون بهذا المطرب الذي يقدّم حفلا بمفرده وهو واقف.
ثمّ تفتحت أمامه أبواب الإذاعة التي انطلقت سنة 1938 فكان يؤثث حفلا مباشرا على الهواء مساء كلّ أربعاء.

سافر إلى الجزائر ومصر

من بعد ذلك شدّ عصا الترحال فسافر إلى الجزائر صحبة فرقة يقودها المنعّم قدّور الصرارفي (1913-1977) ومكث هناك زمنا لتسجيل عدد من أغانيه ثمّ تتالت السفرات فقصد مصر يوم 18 مارس سنة 1953 صحبة الإعلامي نور الدين بن محمود، وهناك كان محل استقبال وتبجيل من طرف عملاقي الفنّ: محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، ولقد لحّن إحدى قصائد عباس محمود العقاد ‘قسما بآيات الضحى والكوثر’.
كما أنه أدّى بالمناسبة من تلحينه مقطوعة “من مجردة إلى النيل’.
هو ملحن بالفطرة وكان المنعّم محمد التريكي هو الذي يدوّن تلك الألحان.

أثرى المدوّنة الموسيقية

لقد ساهم بقدر كبير في إثراء المدوّنة الموسيقية إذ أنّ بخزينة الإذاعة أكثر من 300 أغنية منها ما لحّنه لغيره من المطربين من أمثال الفنانة فتحية خيري ” احترت آش نهديلك يوم العيد قرب” من نظم المنعّم قاسم عبد القادر و”أريانة يا أريانة” من نظم المنعّم الطاهر القصّار وهي في مقام البياتي، كما أنه لحّن ليوسف التميمي (1921-1983) من كلمات الشاعر الملهم منوّر صمادح “اللي ما يعرفش الحب ويلو”.
لقد تنوعت ألحانه وتجدّدت فكأنه يرسم بالنغمات ولا غرو في ذلك فهو الذي أثناء دراسته كان بشهادة أترابه يرسم بالريشة بشكل رفيع.
ولقد اختار دوما في ما يغنّيه تطوير إيقاعاته بحسب المواضيع والمعاني: فمن “ضوء القميرة ونورها” وهي أولى أغانيه إلى ” حبّيت مرّة وعمري ما نحب” إلى “ياللي ظالمني” وهي من أشهر أغانيه، و” زهر البنفسج بكاني ” من نظم الحبيب شيبوب (1931-2007)، إلى الإيقاعات الإفريقية في ” حبيبتي الزنجية” من نظم الشاعر نور الدين صمّود، إلى ” سيدي بوسعيد العالي” ذات الإيقاعات الصوفية وكان يربط بينها جميعا خيط الشّجن الحنين.
كما أنه نظم عددا من القطع الموسيقية ولعلّ أشهرها ” تونس الجديدة” التي اختارها الأديب مصطفى الفارسي (1931-2008) عندما أنتج سنة 1958 شريط “سلسلة من ذهب” والتي مثلت فيه لأوّل مرّة الراحلة Claudia Cardinale.
لقد سعى نقيب الفنانين التونسيين سابقا مقداد السهيلي بنجاح إلى إعداد مجسّم لـ علي الرياحي ووضعه في مدخل مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة “الشاذلي القليبي” وهو في نظري ردّ جميل لرجل تحمّل بدوره وزر جامعة الموسيقيين التونسيين سنة 1951 وهو الذي أصدر موقفا صلبا من منع الفنانة التونسية حسيبة رشدي من النشاط في مصر ضمن بيان تناولته جريدة الأسبوع بتاريخ 28 أفريل تحت صيحة سيدي علي ‘نعاملهم كما يعاملونا’.
غادرنا مطرب الخضراء منذ 53 عاما ولكنّ فنّه باق ما غرّد طير في الأفق.

كنت أحلم بالفن والشهرة

أدلى علي الرياحي بحديث لمجلّة الإذاعة في عددها السادس عشر الصادر يوم 12 ديسمبر 1959 جاء فيه: ” منذ كنت طفلا كنت أحلم بالشهرة وكنت أتمنّى أن أكون مطربا ومُجدّدا لفنّ بلادي وكافحت وبلغت هدفي بعون الله وبعون الجمهور”.
لقد أنشد حقه الشاعر محمود بورقيبة (1909-1956) وهو الذي لقبه بمطرب الخضراء سنة 1944 :
هذا الفتى المطرب المجدّد
هذا الذي نحتسي شرابه
هذا الهزار الشادي المردّد
لنا صدى الوجد صبابه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى