عيسى البكوش يكتب/ زبيدة بشير (1938-2011): شاعرة تونس الأولى


كتب: عيسى البكوش
حبيبي إذا جاءك المغرضون
وقــــــــــــــالوا لغيرك غنّت
وقبلك كـــــــــــــــانت أحبّت
فلا تلق بالا لما يدّعـــــــــون
فمـــــــا كان يمكنني إن أحبّ
وهل في الوجود سواك يُحبّ.
هكذا غرّدت رائدة الشعر في تونس زبيدة بشير المولودة يوم 8 فيفري 1938 بساقية سيدي يوسف لوالد من أصل جزائري البشير السوفي ووالدة تونسية عائشة الشابي، وكانت هي ابنتهما البكر.
الساقية التي شهدت في مثل يوم ميلادها عام 1958 فظاعة ما اقترفه الجيش الفرنسي بالجزائر بدعوى ملاحقة الثوّار الجزائريين فسالت دماء الأبرياء من القطرين الشقيقين، وكانت إيذانا بانتهاء وجود الجيش الفرنسي فوق التراب التونسي والذي آل سنة 1963 إلى جلاء آخر جندي فرنسي عن بنزرت.
تمكنّت من ملكة اللغة
لم تلتحق زبيدة بشير بمدرسة للتعليم، بل هي الحياة التي علّمتها، وكذلك والدها الذي حفظت على يديه القرآن والشعر، وهما كما هو معلوم معينان لا ينضبان من الكلمات والمعاني، ومنهما تمكنت هذه العصامية من ملكة اللغة والقدرة على النظم والتأليف.
وفعلا عندما غادرت قريتها بعيد الاستقلال -أي عام 1956- انطلقت في رحلة الإبداع حتى انفتح أمام ناظريها باب التألق، إذ أنها فازت سنة 1958 بالجائزة الأولى للقصّة التي منحتها إيّاها إذاعة باريس بفضل نصّ “النغم الحزين” وأردفتها بجائزة ثانية سنة 1959 في الشعر بفضل قصيدة “الحب الضائع” من نفس الإذاعة.
في أواخر خمسينات القرن الماضي انتدبت من طرف مدير المركز الثقافي الأمريكي لإعداد برنامج أدبي كان يذاع أسبوعيّا على موجات ‘صوت أمريكا’.
دخلت الإذاعة
تقول عن نفسها في حديث أورده الصديق عبد الستّار النقاطي في كتابه المرجع “ثمانون من أعلام ومشاهير الإذاعة” الصادر سنة 2021: ” تشاء الصدف أن يستمع الرئيس بورقيبة لهذا البرنامج فاستدعاني للقصر ونوّه بموهبتي وكلف الأستاذ الشاذلي القليبي مدير الإذاعة آنذاك بإجراء تجربة صوتيّة لي، فنجحت ومررت بفترة اختبار مع الشاعر عبد المجيد بن جدّو”.
إذن ولجت زبيدة بشير دار الإذاعة سنة 1959 وقدّمت عددا من البرامج كـ:”مرادفات” و لقاء الأحبّة” و”أغنية لكلّ مستمع”، كما شاركت في تقديم برنامج “هواة الأدب” إلى جانب الشاعرين بن جدّو ومصطفى خريّف الذي رعاها إلى حدّ أنّه هو من قدّم لها ديوانها الأوّل “حنين” الصادر عن الدار التونسية للنشر سنة 1968، وهو الذي أشار إلى أنّ شعرها موسيقى فكتب ” ليته يلحّن ويتغنّى به من يفهمه”.
ومن شعرها الذي يقطر أسى وحسرة:
ينتهي العمر وحبّي لا يزول
لم أكن أدرك معنى ما أقول
عندما كنت أظنّ الحبّ حقا
وخلــــــــــــــــــودا وجمال
فإذا الحبّ خيال في خيـــال
يقول المنعّم محمد صالح الجابري في مدوّنته عن الشعر التونسي المعاصر الصادر عن الشركة التونسية للتوزيع عام 1976: ” إنّ شعر زبيدة شعر غنائي منذ بدايته، إنّ مزيّة شعرها أنّه شعر يعبر بلغة التحدّث تقريري يجنح إلى اللفظ الشفاف ويعنى بالاتصال بالوجدان”.
فجأة انسحبت زبيدة من المشهد العمومي فاعتكفت في بيتها بالمنزه السادس مدّة عشرين عاما (1981-2001) عندها بدا لأهل الثقافة والعرفان بالكاف أن يكرّموا مواطنتهم في قائم حياتها فتمّ تنظيم ملتقى أدبي تمّ على إثره تدشين المكتبة العمومية وهي تحمل اسم زبيدة بشير.
ثمّ ارتأت القائمات على شأن مركز البحوث والدراسات والتوثيق للمرأة CREDIF عام 1995 إعداد جوائز باسم الشاعرة في مجالات الإبداع النسوي.
كما تولى المركز نشر ديوانين للشاعرة ” آلاء” و”طائر الفينيق”.
وبمناسبة صدور “آلاء” نظم المُنعّم الإذاعي أحمد العموري قصيدا في حق زميلته نشره في جريدة الصريح الغراء بتاريخ 06 أفريل 2009 جاء فيه :
أهل النهى ألبسوك التاج ما اختلفوا
في باحة السيف فرسان لك اعترفوا
خنساء خضراءنا قد زدتها ألقا
لم يثنك الوعر والرمضاء والرضف
أنت الثريا وبثت حولك الشهب
فوق الدهاليز بهو القصر والغرف
و’الكريديف’ هو من بنات أفكار الصديق المنعّم منصر الرويسي والذي يحيي مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية هذه الأيّام الذكرى الخامسة لرحيله وقد كان أحد أركانه.
ولقد سرت على خطاه عندما استنبطت فكرة إنشاء مركز مماثل لفائدة الجمعيّات، فكانت “إفادة” وبالطبع ما من أحد يذكر هذا ولا ذاك.
غادرت زبيدة بشير هذه الدنيا الفانية يوم الأحد 21 أوت من سنة 2011 ودفنت رحمها الله بمقبرة سيدي يحي بالحاضرة.
يقول محمد صالح الجابري: ” إنّ زبيدة بشير كانت وستظل مثلا للمرأة التونسية التي ساهمت في بعث نهضة أدبيّة رغم العواصف والصعاب”.
وتقول الأديبة المصريّة “بنت الشاطئ”: “لولا نبرة الحزن والأسى التي تطغى على معظم قصائدها لقلت إنّ زبيدة بشير هي أميرة الشعر العربي”.
أمّا الحبيب بورقيبة فإنّه بحسب رواية الصديق عبد الستار النقاطي كان يمازح الشاعرة بقوله: ‘هل سيقال إنّ زبيدة عاشت في عصر بورقيبة أم أنّ بورقيبة عاش في عصر زبيدة بشير’.




