صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب/ الدكتور شارل نيكول (1866-1936): ‘التونسي الذي تحصّل عام 1918 على جائزة نوبل للطب’

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

ليس التونسي فقط من ولد في تونس أو هو من أصول تونسيّة بل التونسي أيضا من اختار هذا البلد وطنا فأحبّه إلى حدّ أنّه أوصى بأن يُدفن في ترابه، وأعني به الطبيب الفرنسي النشأة شارل نيكول المولود بمدينة Rouen في مقاطعة النورماندي يوم 21 ديسمبر 1866.

البدايات

درس في معهد Corneille بمسقط رأسه ثمّ التحق بكليّة الطب بها، ثمّ واصل تعلّمه بكلية باريس، والتحق سنة 1890 بمعهد باستور في مدينة الأنوار.
تحصّل سنة 1893 على شهادة الدكتوراه وكان محور أطروحته القرحة الرخوة ” La chancre mou “.
أصابه صمم في إحدى أذنيه وهو يزاول تعلّم الطب فاتجه إلى الأنشطة المخبريّة.
عاد إلى Rouen سنة 1894 واشتغل فيها كطبيب في مستشفاها.

عُرض عليه العمل في تونس

سنة 1902 كانت سنة مفصلية في حياته إذ أنّه عُرض عليه التحوّل إلى تونس لخلافة الطبيب Adrien Loir على رأس معهد باستور بتونس حيث تسلّم مهامه يوم 31 ديسمبر من تلك السنة على رأس هذه المنشأة التي وقع افتتاحها يوم 25 سبتمبر 1801 وكان مقرها بنهج البنك المتفرّع عن نهج Roustan (الحبيب ثامر حاليا).
ومُنحت الشخصية المدنية بأمر عليّ مؤرخ في 14 فيفري 1908.
منذ أن انطلق في عمله شرع في البحث عن موضع جديد لتشييد مقر جديد للمعهد وتمكّن بعد لأي من العثور على قطعة أرض فسيحة تابعة لمدرسة الفلاحة الاستعمارية – المعهد العالي للفلاحة، وكانت تحيط بها الحدائق إلى حدّ لا متناهي وهو حدّ أريانة، ولذلك لقد سمّيت الجادة التي تفصل اليوم ساحة باستور ومدينة الورود بـ Les Allées de l’Ariana وهي الآن في جزئها الأوّل تحمل اسم شارل نيكول.
واختار لتصميم المبنى النمط المعماري التونسي أي الفتحات والبساطات والأبواب المزركشة بالقرميد.
وقع تدشين هذا المبنى وما حوله يوم 3 مارس 1905 أي بعد سنتين من انطلاق الأشغال بحضور وزير الأشغال العامة في الحكومة الفرنسية Gaullier والمقيم العام Stephen Pichon وشيخ المدينة محمد الصادق غيلب.

مستشفى ‘الكلب’

ومن باب الطرفة أنّ الشيخ محمد الحشائشي في كتابه الهدية الذي حقّقه المنعّم الجيلاني بالحاج يحي يسمِّي هذا المعهد بمستشفى ‘الكلب’ أو مستشفى باستور لداء الكلب مشيرا إلى ما اهتدى إليه نيكول من مداواة داء الكلب وليس ذلك فقط، فلقد تناول بالبحث أمراض عدّة منها حمّى المستنقعات والحمّى التيفية والحمّى المالطية والبلهاريسيا والجذام والطاعون والأنفلونزا والرمد والأمراض الإسهالية، ولقد توّجت أعماله بالحصول على جائزة نوبل للطبّ عام 1928 بفضل اكتشافه لمفعول القملة ونشرها لداء التيفوس.
وكان قد تحصّل قبل ذلك يوم 16 جانفي 1927 على جائزة Osiris.
كما تحصّل سنة 1929 على مقعد في أكاديمية العلوم بفرنسا، ثمّ سنة 1932 على كرسي الطبّ في Le Collège de France ، وكلّ ذلك رغم إصابته بالطرش ممّا كان يؤلمه كثيرا ولكن لم يثنه عن البحث والتنقيب.
وكان إلى جانب ذلك فنّانا مبدعا و أديبا مرموقا.

شغف بالتاريخ والأدب والآثار

يقول الصديق كمال العريف في فصل أعدّه لمجلّة “مواقع ومعالم” عدد مارس 2025: ” كان نيكول شغوفا بالتاريخ والأدب والآثار، وقد ألّف وهو ما زال في طور طلب العلم للمسرح ومثّل فيه ورقص”.
وفي تونس نشط إلى جانب الفنان Alexandre Fichet وزوجته Eve Noëlle وهما من أبرز النشطاء في الحراك الثقافي في ثلاثينيات القرن الماضي كما أنّه انتسب إلى نادي Le veau d’or وكان صديقا لزميله الطبيب والأديب Georges Duhamel صاحب كتاب Le prince Jaffar الذي استوحى أحداثه من بلادنا عند زيارته لها، فتأثر به وألّف بدوره عددا من الروايات ومن ضمنها Les feuilles de la sagittaire الذي يتحدّث فيه عن تفّاح ميدون.
توفي يوم 28 فيفري من عام 1936 ودفن مثلما أوصى في مدخل المعهد وقبره مزدان بشجرتين: الزيتون رمز بلد المستقرّ والتفاحة رمز بلد المنشأ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى