صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب/ الخضر حسين (1876-1958): لم ينل مشيخة الزيتونة..فنال مشيخة الأزهر

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش

‘لا نبيّ في قومه’: لطالما ردّدنا هذه المقولة حتى كدنا نصدّق أنّها حقيقة سرمديّة أو قل قدرا محتوما.
قد يكون في ذلك شطط، ولكن مسارات البعض من أعلام هذا البلد تتطابق مع تلك القولة.
ولعلّ مترجمنا الخضر حسين هو واحد من بين هؤلاء.

البدايات

هو محمد الأخضر بن حسين المولود بمدينة نفطة يوم 21 جويلية 1876، جدّه للأمّ هو الوليّ مصطفى بن عزوز أصيل منطقة سوف بالجزائر. قدم إلى الجريد صحبة صهره ـ أي زوج ابنته حليمة ـ وهو والد الخضر، فهو إذن مثلما جاء في كتاب الدكتور الطاهر بن سلامة الصادر عن دار نقوش عربيّة سنة 2015: ” جزائري الأصل تونسي الولادة والنشأة”. محمد الخضر حسين: ‘النص القرآني في فكره الإصلاحي’. ص 13.
لقد أورد المنعّم محمد مواعدة في أطروحته عن الخضر والتي أصدرتها الدار التونسية للنشر عام 1974 ما قاله الخضر عن نفسه: ‘نشأت في بلاد الجريد بالقطر التونسي يقال لها نفطة. وكان للأدب المنظوم والمنثور في هذه البلدة نفحات تهبّ في مجالس علمائها، فتذوّقت طعم الأدب من أوّل شبابي وحاولت وأنا في التاسعة عشرة نظم الشعر’..
محمد الخضر حسين: حياته وآثاره ص 81.
ثمّ يواصل مواعدة: ‘سنة 1886 انتقلت عائلته إلى تونس لتمكينه من مواصلة الدراسة بجامع الزيتونة حيث أخذ من كبار علمائه من أمثال خاله المكي بن عزوز والشيخ سالم بوحاجب الذي رثاه الخضر فقال:
“فقدت سماء المجد بدرا عزّ أن
تحظى برؤية مثله الألحــــــاظ
وكأنما درس الفقه مجلس مالك
وكأنما درس البيان عكـــــــــاظ
وإذا تسلم للخطـــــــــــابة منبرا”.
لانت قلوب كالصخور غــــلاظ
تحصّل سنة 1898 على شهادة التطويع ثم سنة 1902 على الشهادة العالمية فأصبح مدرّسا بالجامع الأعظم.

من القضاء إلى التدريس

سنة 1905 تولى القضاء ببنزرت ولكنه فضّل بعد اقل من سنتين العودة إلى التدريس.
سنة 1907 اجتاز بنجاح مناظرة التدريس من الطبقة الثانية فعيّن استاذا بالمدرسة الصادقية.
في سنة 1912 شارك في مناظرة التدريس من الطبقة الأولى فلم ينجح أو قل كما يقول مريدوه لم ‘يُنجَّح’، وهو ما حدا به إلى مغادرة البلد قاصدا بلاد الشام حيث تم انتدابه للتدريس بالمدرسة السلطانية بدمشق، كما انه انطلق في إلقاء المحاضرات بالجامع الأموي ونشر المقالات بالصحف والمجلات.

دخل السجن

يقول الطاهر بن سلامة أن الخضر وقع في فخ السياسة إذ اتهم بالتستّر على الحركة المتآمرة على السلطة التركية بسوريا فسُجن من أجل ذلك لعدة أشهر، ثم لما ثبتت براءته أعيد إليه اعتباره بل ووقعت دعوته من مركز الخلافة فانتقل إلى الأستانة وباشر خطة التحرير بالقلم العربي بوزارة الحربيّة التركية، كما وقع تكليفه بمهام بألمانيا ودامت إقامته تسعة أشهر تعلم خلالها اللغة الألمانية … ثم عاد إلى دمشق سنة 1918 لمّا تحرّرت من الحكم العثماني.

إلى مصر..

غير أنّه بدخول فرنسا إلى الشام – وقد كان حكمت عليه مثلما يذكر في تونس أيام الحرب بالإعدام- قرّر التخلص إلى مصر.
مصر هي المرحلة الثالثة من حياة الرجل وهي الأكثر ثراء وإشعاعا وقد تواصلت على امتداد ثمانية وثلاثين عاما.
اشتغل هناك في البدء مصحّحا بدار الكتب المصرية، ثم عاد من جديد إلى طبعه الأوّل ألا وهو إلقاء الدروس والمحاضرات وكتابة المقالات وبالخصوص نشر الردود على أهمّ كتابين في تلك الحقبة وهو ما جلب إليه الانتباه، فلقد ردّ على كتاب علي عبد الرازق الصادر سنة 1925 “الإسلام وأصول الحكم” بكتاب حمل عنوانا ‘مشاكسا’ “نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم”، وفي السنة الموالية أتته فرصة أخرى للبروز عندما أصدر طه حسين كتابه عن الشعر الجاهلي فأصدر الخضر “نقض كتاب في الشعر الجاهلي”.
إثر ذلك وقع انتدابه سنة 1927 للتدريس في الأزهر وتم ترسيمه في السنة الموالية.

تحصّل على الجنسية المصرية

وفي سنة 1932 تحصّل الخضر على الجنسية المصرية وفي سنة 1933 عيّن من طرف الملك فؤاد الأوّل عضوا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة.
وفي سنة 1950 قبل عضوا في هيئة كبار العلماء بعدما تقدّم ببحث عن القياس في اللغة العربية.
يقول بن سلامة :”لقد أبهر الشيخ علماء مصر بغزارة علمه وفاض عليهم بما وهبه الله من المعارف حتى أنّ شيخهم عبد المجيد اللبان صاح إعجابا: “هذا بحر لا ساحل له فكيف نقف معه في حجاج”؟.
وفي سنة 1952 تولى شيخنا مشيخة الأزهر ومكث فيها قرابة السنتين إلاّ أنه استقال منها سنة 1954 وهو أوّل عالم غير مصري يتولى مثل تلك الخطة.
ولقد تحققت هكذا دعوة والدته عندما كانت تترنّم وهي تلاطفه ‘لخضر يا لخضر تكبر وتولي شيخ الأزهر’.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى