صالون الصريح

عبد اللطيف الفراتي يكتب: يا الله .. الصبر الصبر، وكيف يأتي الصبر؟

Abdellatif Fourati
كتب: عبد اللطيف الفراتي

كانت العائلة تدعوني لتناول العشاء، بعد حقنة الأنسولين، فالأمر يتطلب سرعة الأكل، وأنا جالس أمام الكمبيوتر أُنهي الفقرة الأخيرة من مقال أعددته لمدونتي الصواب مرتبط شديد الارتباط مع ما نعيشه من غياب الماء والضوء.

كانت الحنفية لا تدر ماء من أول العشية، ولغسل يدي باستمرار قبل البسملة وتناول الطعام كان لا بد من يصب على يدي الماء كما في العهود الخوالي ، ولم يكن لنا في البيت ذلك الابريق النحاسي وبقية عدنه “طشت” كما كنا صغارا.
وقفت متثاقلا، وانحنيت مكرها لضغط مفتاح التسجيل بعد أن انتهيت من تحبير مقال تطلب مني عناء بأربع ساعات.
فجأة انقطع النور، وأظلمت دنياي قولا وفعلا، بتنا في ظلام دامس، نتلمس مواضع أقدامنا في حذر، وفعلا لأن أربع ساعات من الجهد المضاعف وأنا كليل البصر، انمحت في لمح البصر وذهبت هباء منثورا.
يا الله .. الصبر الصبر، وكيف يأتي الصبر؟
انهارت قوائمي (فقد شبهت نفسي بحيوان جريح لم يعد قادرا على الوقوف، في بلد شعرت فيه في ذلك الوقت أنه لم يعد هناك فارق بين حيوان وإنسان وقصدا وضعت الحيوان قبل الانسان، فأنا لم اتخذ احتياطي بتسجيل ما أكتب كل ربع ساعة على الأقل).
لم تعد لي شهية للأكل، على ضوء تلك الشمعة الواحدة والوحيدة في البيت القريبة من الإنطفاء.
كنا بحثنا قبل أيام دون جدوى عن شراء ‘لمبارة’ (بيل) فلم نجد كان الناس أسبق منّا..
وفي مرحلة ثانية بحثنا في الأسواق عن الشمع، ولكن ذهبت جهودنا سدى.
ذابت الشمعة وانطفأ الضوء..لم يعد الماء للحنفية، ولم يعد الضوء لا للفوانيس ولا للثلاجة ولا الانترنت ولا للتلفزيون، ولا لـ الفيس بوك ولا للتيك توك..

نضب مخزون الحديث بيننا، بعد أن خضنا في الحالة التي أصبحت عليها البلد مما لم يسبق لها أن شهدته. انبريت شخصيا للقول إن ما نراه لم يسبق له مثيل في حياتا، وهو نتيجة لانعدام الرؤية وقصور في الاستشراف، وليس لأسباب أخرى كما يروجه بعض كبار المسؤولين…
ذهب أفراد العائلة ضيوفا وغير ضيوف كل إلى فراشه يتقلب فيه المرء أرقا من شدة الحرارة الاستثنائية التي تعيشها البلاد تحت وطأة القيظ و’الكنيكول’.
غادرت الغرفة إلى الشرفة لعلي أظفر ببعض الاوكسيجين الذي عزّ علي تحت سقف البيت، فأنا مصاب بالربو أو ‘الفدة’، تناولت حبتين ‘ديسلور’ لتخفيف الإحساس بالاختناق.
شغلت نفسي بالتطلع إلى الفضاء الممتد أمامي فإذا بظلام يلفه ظلام، حتى السيارات هجرت الشارع…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى