صلاح الدين المستاوي يكتب: في وداع المربي الفاضل محمد الزين صميدة


كتب: محمد صلاح الدين المستاوي
‘قم للمعلم وفه التبجيلا’ صدر بيت لأمير الشعراء شوقي قبله ورد في الحديث (إنما بعثت معلما)، فيهما الكفاية والا فان منزلة معلم الناس الخير والعلم اصل كل خير لا يمكن الاتيان على اقل القليل منه تجعلنا نزداد يقينا بشرف هذه المهنة لما نرى من أثرها في نفوس جميع الفئات..
نتحدث بالطبع عن المعلم المخلص في تعليمه سواه لا يستوقفنا، مما رسم هذه القناعة المشهد الذي عشته اخيرا لدى تشييع جنازة أحد رجال التعليم في تطاوين، والذي رافقناه الى مثواه الاخير المربي الفاضل محمد الزين صميدة رحمه الله خريج الأفواج الأولى لمدرسة ترشيح المعلمين، والذي استقر في مسقط رأسه منطقة الرقبة تطاوين بعد أن عمل لسنوات في منطقة الكرم، وقد ترك فيها أطيب الأثر وتواصل ذلك السلوك في المدارس الذي مارس فيها مهنته التي عشقها وهام بها وأصبحت شغله الشاغل الذي لا ينشغل بشيء آخر غيره كانت حاله في المدارس التي عمل بها وتلك التي أدارها في تطاوين وقصر أولاد دباب والرقبة..
حاز الاحترام
حاز المربي الفاضل الزين صميدة احترام الجميع وليس هذا بالامر السهل خصوصا عندما يكون الإنسان في مسيرته العملية لأن عوامل كثيرة أخرى تتدخل لتجعل هذا التقدير لا يكون كبيرا، والمربي الفاضل الزين صميدة رحمه الله يكاد يكون استثناء فقد استطاع رحمه الله ان يحظى بحب وتقدير الجميع من اهله وقبيلته أولاد عبد الجليل ومن القبائل الاخرى اولاد حامد وأولاد دباب واولاد شهيدة وغيرهم من أبناء العروش الذين زاملوه..
طيبة واستقامة
والسبب في ذلك ان الرجل رغم انه من عائلة متواضعة الامكانات الا انه شق طريقه بالاهتمام بعد الله على نفسه فهو وحيد ابويه المعروفين بالطيبة والاستقامة وليس لهما غير الزين وشقيقتين فما إن دخل الحياة العملية حتى اصبح ينحت لنفسه شخصية الرجل الدمث الأخلاق الرفيق الرقيق المشاعر الذواق مضيفا لكل هذه الصفات حرصه على صلة رحمه وإكرام أصدقائه والعمل بكل ما أوتي من اجل مساعدة من حوله من العائلات الضعيفة الحال، وقد مكنته وظيفة التعليم من التعرّف على أحوال الكثير منها وفي مجال عمله فتح منزله لدروس التقوية لا يشترط على ذلك مقابلا ماديا، والرجل لو أراد ونظرا لتميزه ونجاحه في عمله وقد شهد له بذلك الجميع لجنى الأموال الطائلة ولكنه رحمه الله اختار طريقا هو أكبر أثرا و أعظم أجرا عند الله…
عرفت الزين صميدة رحمه الله من قرب لما بيننا من صلة رحم و توطدت هذه العلاقة بمصاهرته ووجدت في الرجل من الخلق الرضي ما يعجز القلم عن التعبير عنه: عفة لسان وصدق حديث وكلمة طيبة واحترام الجميع ورغبة صادقة في جمع الكلمة واصلاح ذات البين..
بكل هذه الأخلاق الحميدة شهد له الجميع يضاف الى ذلك كرم عجيب يحرص عليه ولا يقبل أن يسبقه إليه أحد
اذكر وهذا اخر مبادرة منه وما أكثر ما رايت انني في الرحلة قبل الأخيرة إلى تطاوين كنت مرفوقا بعدد تجاوز الثلاثين من الاخوة جاؤوا إلى تطاوين لختم الهمزية فما كان منه إلا أن أهداهم جميعا محشي قرن غزال المعروف بمبلغ مالي لا بأس به قائلا ان ذلك هو بعض الواجب..
عبر ودروس
الحديث عن الزين صميدة رحمه الله لا يمل وفيه عبر ودروس لمن يعتبر، غادرنا الى دار البقاء على عجل كان اللقاء به قبل حوالي شهرين في وفاة والدته وها نحن نعود الى تطاوين لا لـ نلقاه هذه المرة ولكن لنودعه الوداع الاخير، وهو وداع عز علينا كما عز على من عرفوه وعرفوا فضله وخلقه ومما خفف علينا هذا المصاب ما رأيناه في جنازته المهيبة التي جرت بعد صلاة المغرب في مقبرة النخلات بالرقبة بجوار مدرسة ابن خلدون إلى درس فيها وادارها إلى أن بلغ سن التقاعد…
كانت جنازة مهيبة شاهدة للرجل بحب الجميع له سواء في الأعداد الكبيرة التي انتظرت شهود جنازته الى ان وصل أحد ابنائه من فرنسا
كانت (دفينة) في أول الليل وفي سكينة الليل وفي تساقط رذاذ من المطر زاد المشيعين خشوعا واجتهادا في الدعاء له بالرحمة والغفران وسكنى الجنان فإنا لله وإنا إليه راجعون..




