حمّادي الحلاوي يكتب: ‘أجنحة العزلة’ للشاعرة شافية الحجيري: ترانيم عشق وحرّيّة

كتب: حمّادي الحلاوي *
مجموعة شعريّة* متْنها جمْلة قصائد غيْر طويلة عموماً وعناقيد من الشعر الوامض
الوجيز ومْضة وشذرة .. حالات شعوريّة ومقامات وَجْد وتأمّل وبوح بالذّكرى والحلم … ولئنْ كانت الشاعرة تنتصر لقصيدة الوجدان رفرفات روح فإنّها لم تعدم في نصّها شطحات فكر ورؤى تأمّلات في الوجود والموجود اجتماعيّاً ووطنيّاً, فكانت فسيفساء المعاني, خاضت الشاعرة مداراتها بعفو البديهة وكدّ الرويّة ..
وهي تتزيّا بموهبة كتابة وشغف بالكلمة جليّ… فكانت المجموعة سفراً في أكوان تستلهمها وتمتح من أتونها ورحيقها متوسّلة الحرف تصويراً وتشفيراً.. ولعلّ أهمّ معين للمعنى ٌ” كلوم الرّوح” وجوانيّة الأنا … تستصفي لحاجة نفسيّة وجدانيّة البلسم والشفاء:
أذكّرها
… ألست شافية
لكلّ روح تائهة ؟
شعر مرسل يتزيّا بالموهبة ويجعل لضمير المتكلّم ظلالاً وسلطاناً في بوح الأنا
ومواجهة العالَم هذه الأنا المتفرّدة اذ تتمرّد على أزمانها على السائد والمكرّر..
سلّة إبداعي
ما بال طيفها يغربلني
يفصل جنوني
عن جلباب أزماني
تأنّق أنثى عاشقة للحريّة حالمة هي بفردوس” جنان ” يأتي صوتها بوحاً يجلّي جراحات الروح وكدمات الوجدان … أحلامها وجمالها الفاتن .. حروف ثملة على حافّة العشق..
أمشّط حروف شِعري
وأصفّف تجلّياته
الفن جدائل حريّة
بذا كانت الذات الشاعرة منغرسة في عالم الحريّة والتحرّر عشقاً وهياماً، ذاتاً شاعرة تتجلّى تارة عشتار الملهمة :
تصلني رسائل عشتار
مصلوبة على مراياي
برزخ بين الحلم والحياة
وطوراً كليوبترا المتحدّية :
تداعت لها أسوار الديار
تدفّق إصرارها نهراً
أو تانيت نبوءة وشفاء:
بمحرابي
نذرت كلماتك نبوءة الشفاء تانيت
من هذه العوالم الأسطورية تمتح الشاعرة معنى وتستلهم صورة لتستصفي لها
هويّة ترسم مقاصد ونهج كتابة في خضمّ التعدّد، ولتكون المتفرّدة المختلفة …
هكذا تقدّم الشاعرة شافية ذاتها بعوالمها الجوّانيّة وبانفتاح على عالَم الكون والفساد
وينابيع المثل، ولكنها في الكتابة تسلك طريق الإبداع الحرّ أنثى بكبريائها الجميل :
خصلات شعري
تيمات متحرّرة
عيناي ابتسامات حائرة
وجهي ملاك نائم
كونُها الشعريّ مؤثّث بحرّية …تتمرّد وتطوق ولا امتثال للقبيلة تحرّراً من كلّ إكراه وكاسرة تقول :
ذروني يا أسياد سلالتي
أسبح في جدول المعاني
وأنبت في حقل الخيال
بلا كاسرات
تأنّق أنثى عاشقة للحريّة يأتي صوتها بوحا يجلّي جراحات الروح وكدمات الوجدان
أحلامها وجمالها الفاتن ..حروفاً ثملة على حافة العشق:
أمشّط حروف شعري
وأصفّف تداعياته
الفنّ جدائل حريّة
عاشقة للحريّة وتحرّر الكلمة من تيمات الاستلاب وأغراضيّة التكلّس نأياً عن مديح
سافر وخطاب مُغترِب ..كلماتها صوت الروح وبوح الفكر والوجدان يداري شهقات القدر يشفي ويريح ..حتى لكأنّ الوالدة في شِعر شافية كبرياء تحرّر وعشق ملهم
بكلمات من أبجديات العزلة والشفاء شعراً والشعر نفاثة الصدر..
شيء ما يعتريني
أدوّنه … للعزلة أجنحة
تسافر عبْر الخيال وردة استثناء تتحدّى الشوك…تباشير الرمز الكتابة في منظور
شافية شِعر مُرسَل …مفتون بالتشفير والترميز تكثيف عبارة تومئ وتومض والفنّ “جدائل حرّية “ والشعر تيمات متحرّرة …فيكون النصّ بنية معنى مضغوطة بدلالة منفتحة معاني ثواني تدلالاً وإيحاء … تضمن عبْر تغميض بلا تعقيد ولا إبهام
مقروئيّة ماتعة وتقبّلاً جماليّاً أنيقاً …غموض إيحاء وإيماء لا إغراق في بوح وإيماء ولا وسم غسيل وعراء..
بذا تأسّست شِعريّة المجموعة على الصورة الشعريّة المشتغلة على تراكيب مجازات
لوحدات بينها مفارقات عدول وانزياح لطيف منه تلوح الطرافة والإبداع من أمثاله
“جئت تحثّ الهوى” تحويلا لمكوّنات بنية تركيبة متداولة “جئت تحث الخطى”
استبدال يمنح الجملة طاقة بلاغيّة ودلاليّة موحية بالمعنى على غيْر الطرائق العاديّة في تشبيه أو مجاز – “آناء الجرح وأطراف المعراج“، “كم يستهويني لعق رحيق الأوهام“، “غمام زاجل مستتر”، “ تسلّلت اليّ زواحف الزمان “،“ ترديني غريبة بين خلاّني“ بمثل هذه الأساليب التي تخترق النصوص الشعرية وتشكّل فيها منوالاً
لازماً تكتسب لغة الشاعرة في مستوى التركيب المصوّر جماليّة خاصّة وإحدى
مميّزات الشعريّة في المجموعة ..
أمّا في المستوى التخييلي فإنّ الشاعرة تمتح أبجديّاتها من الطبيعة عالَم أزهار
ورياحين وريح :
تهوى لها الأكمام
تنطق بها الأقمار
وصلها …عرش ياقوت ومرجان
من عالم الطير, المطر والفصول …” لم أكن زيتونة فأنا توليت “ ومن البحر ..
كما شكّلت اللّغة ومعاجم الفنّ…مرجعيّات تخييل وتصوير:
وأنّك حروف الدهشة
حين تسري ولها في قصيدتي
كانت الصورة الشعريّة بمقوّماتها المجازيّة مجال البدائل التخييليّة والأكوان
الاستعاريّة سلسة عذبة تؤثث القصائد, وكانت الذاكرة اللّغويّة والثقافيّة معيناً لتشكّل الشاعرة صورتها في تكثيف ضامِن لشعريّة العبارة وجماليّة تلقّيها …
أمّا الإيقاع في هذه المجموعة فكان يراوح بين الاقتباس من شِعر الوزن والتفعيلة
باعتماد التقافي …والموازنات والمقابلات وضروب التطريز والترصيع والتجنيس
والتصريع …مِمّا جعل الإيقاع ذا طابع جرسي لافت …على أنّ الشاعرة رامت
إيقاع النصّ بمجموع وحداته حيث تقوم القصائد على قِصَرِها على وحدة موضوعيّة ووحدة عضويّة يسندها إيقاع داخلي في تواشج المعاني وتعاقبها أو انتظامها فقرات وتيمات …
تجربة في الكتابة تصدر عن إحساس بالكلمة اختياراً وتوظيفاً يصوغ الصوَر .
وإبلاغ المعاني ايحاءً وترميزاً وخلق الأثر الجمالي بضروبٍ من الانزياح لافتة
وألوان من العدول التركيبي شيّقة منه تلوح طرافة ويتجلّى إبداع …
كما حاولت الشاعرة “شافية حجيري” في إطار بنية مضغوطة للنّصّ وعناصر وحدة الموضوع في القصيدة إيجاد إيقاع رَاوَحَ بين الجرسي مُقترناً بمعايير النظم وبين الإيقاع المعنوي تأسيساً لشِعريّة من شأنها خلْق الأثر الجمالي وضمان الانفتاح الدلالي تقافياً وتنغيماً مَوصُولاً بمعايير النظم مُرسّلة وبين إيقاع معنوي توقاً إلى شعريّة عسى أن تكرّس طابع الفرادة وتجد لها مكانة في مدوّنة الشعر المُرسَل وقصيدة النثر .. وهي الحريصة في كلّ موضوع وطني، غزلي ووجداني أو وجودي على ترْك الأختام التي تسم النصّ بالاحتذاء والإتّباع…
لقد أرادت الشاعرة “شافية حجيري” في هذه المجموعة الشعريّة ’’ أجنحة العزلة ’’ أن تعلّي صوت الأنا أنثى ماء تنزع عن الجسد أغلالاً كاسرات وأن ترنو إلى مسالك تحرير لجسد مُحاصَر بمراسم القبيلة وتحرير روح تبعثرت أحلامُها وران عليها من الكدر ألوان ..
شاعرة حاولت إطلاق العنان للأنا في عزلتها ترفع العقيرة بأناشيد الفرح وبهجة كسر الأطواق ونزع الأختام عن الجسد عشقاً وعن اللّغة خرْقاً لمُعتاد … فكانت تزاوج البوح شجناً وشجى رؤية بصريّة لواقع الكون والفساد ورؤيا حالمة بجنان الفرح.
* أستاذ ناقد
*”أجنحة العزلة”. للشاعرة التونسية “شافية حجيري”. دار الشنفرى للنشر، تونس 2025.




