صالون الصريح

الهادي القلال في أواخر أيامه: إذًا، استفاق ضمير الدّولة، فمكّنوه من جراية قيمتها ‘تحشم’

كتب: عدنان الشواشي

أذكر جيّدا ذلك اليوم من سنة 2015 الذي انتقل فيه فنّاننا الكبير الهادي القلّال رحمه الله ، إلى مثواه الأخير في موكب جنائزيّ صغير أُختُتِم بتأبين رسميّ قصير لهذا الرّجل المبدع المنطفئ في شبه صمت مخجل وعزلة باردة وآخر عمر تعيس حبيس مرير..

سنوات قاسية

لن أحكي لكم عن مدى قساوة السّنين التي عاشها مطربنا الرّائع الكبير الهادي القلّال آخر عمره ، ولا عن حجم المأساة والويلات التي أنهكته وحطّمته جرّاء أدواء شعوره بالخصاصة والعجز التّامّ عن إتمام آخر ما تبقّى له من حياته في شيخوخة مريحة وأجواء عادية مليحة، محاطا بالأحبّة والمعجبين وربّما كبار المسؤولين كما هو الشّأن بالنّسبة لجميع كبار المبدعين في العوالم المتحضّرة التي لا تنسى أحدا ممّن ساهموا في كتابة تاريخها وتفنّنوا في إسعاد مواطنيها…

تكريم صغير

كرّموه ذات مرّة قبل الثّورة بقليل في “حُفَيْلٍ” عاديّ بسيط صغير غنّى له فيه بعض الزّملاء والزّميلات بعضا من أغانيه، وختمه أحد المسؤولين ، آنذاك ، بإلقاء خطاب مصبغ بتلك العبارات الممجوجة التقليديّة التي تُلقى عادة في حفلات التّأبين، والرّجل لا يزال حيّا يرتجف والدّموع تنساب من عينيه، لست أدري ، فرحا أو ألما أو رغبة في ترك المكان بمن فيه والعودة فورا إلى بيته المتواضع الضّيق المعزول التّعيس؟!

في آخر أيامه، و بعد أن أخذ البرد القارس والحرّ الخانق وطرهما منه دون هوادة ولا رحمة،
وتداولا على إنهاك جسمه الهشّ الضّعيف ومزيد إثبات شعوره بالإحباط والألم العميق…..
في أواخر أيامه ، إذًا ، استفاق ضمير الدّولة، فمكّنوه من جراية أخجل من ذكر قيمتها، لو كنت مكانه لرفضتها، قطعا ، وتبرّعت بها لِسَقْوِ أزهار “بركونة ” مدير ديوان السيّد الوزير آنذاك….

رحل الهادي القلال

على كلّ.. مات العزيز المطرب المبدع الرّائع الكبير ، تاركا لنا أجمل وأشهر وأعذب الأغاني التي يتمعّش منها ، اليوم ، العديد من “النُّجَيمات”
وأشباه “النّجوم” المولعين بالإرتزاق من عرق وجُهْد وفكر السّابقين وحتّى اللّاحقين ، معلّلين ذلك بأنّهم من مُحْيِي التّراث و مهذّبيه وكأنّ التّراث انبثق من العدم ومبدعيه أشباح لا وجود ولا شكل ولا ذوق لهم ولا تاريخ…
“حُكْ راسِك وُاغْرُفْ” من التّراث ومن خزينة أغاني الأموات والأحياء وكلّف بها أيّ “موزّع” يرجمها بوابل من فرقعات الصّخب وجيطليها ، حتّى تكاد تختنق ، بطبقات متراكمة من أثقل وأغرب مساحيق التّجميل الموسيقيّة الممكنة ، ثمّ ” خدِّم مخّك” وربّما ‘أشياءً أخرى’ للظّهور في ‘منوّحة’ تلفزيّة مشهورة لتقديم إبداعك المهذَّب الجديد المنشول المغروف من قاع الخابية” المستباحة المردومة ، وذلك بدون خجل ولا حرج ولا حياء ولا أدنى ذكرٍ لأسماء أصحاب هذه الأعمال الأصليّين التي استحوذوا عليها ونسبوها ، بكلّ بساطة وفظاظة ، لأنفسهم !
رحمك اللّه يا ألطف وأعزّ النّاس ….

نصيحتي لكم

نصيحتي إلى جميع زملائي وزميلاتي بأن يعوّلوا على الله ثمّ على أنفسهم ، ولا ينتظروا من أحد ، سلطة كان أو نقابة أو مُعجِبا أو صديقا أو حتّى قريبا أن يعينهم على حمل أوزار آخر أمتار طريق رحلة العمر….
لا تغترّوا بشبابكم ولا بتهليل معجبيكم ولا بتطمينات مسؤوليكم..
عوّلوا على الله و على ‘جيوبكم’ وخذوا العبرة ممّن سبقوكم..
اضمنوا حسن خواتمكم ، فذلك أهمّ وأنفع لكم من كلّ هتافات وتشكّرات و’طَبْطَبات’ وجرايات الدنيا…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى