الكبير الميداني بن صالح…كان ابن نفطة الذي حمل مدينته معه أينما ذهب..

كتب: زعيبي حمادي
في بداياتي كان للشاعر التونسي الكبير الميداني بن صالح حضور استثنائي في ذاكرتي، حضور رجل لم يكتف بأن يرى في شاب يتّقد حيوية و نشاط مشروعا يستحق التشجيع بل فتح لي أبوابا لم أكن أعرف كيف أصل إليها، وأخذ بيدي في سنوات كانت فيها خطواتي الأولى لا تزال تبحث عن طريقها.
ومن موقعه آنذاك رئيسا لاتحاد الكتاب التونسيين كان له فضل لا أنساه في إقامة معرضي بقاعة الأخبار بتونس. وكان ذلك المعرض محطة مهمة في مسيرتي، ليس فقط لأنه أتاح لي فرصة عرض أعمالي وإنما لأنه جاء محمولا على ثقة شاعر ومثقف كبير آمن بتجربتي في وقت مبكر.
وكان فضله يتجاوز المعرض، فقد كان يصطحبني في أواخر التسعينيات إلى مجالس كبار الشعراء والأدباء في تونس. كنت أجلس بينهم أستمع أكثر مما أتكلم، وأراقب تلك اللغة التي تتشكل في حضرة الكبار، وأكتشف أن الثقافة ليست كتبا تُقرأ فحسب وإنما أيضا مجالس وذاكرة وأسئلة وتجارب إنسانية تنتقل من جيل إلى جيل.
فتح لي الأبواب
كان الميداني بن صالح يفتح لي تلك الأبواب ببساطة وكأنه كان يقول لي دون أن يقول، اجلس واستمع فهنا أيضا تتعلم.
من بين كل تلك الذكريات تظل في ذاكرتي حكاية ديوانه “في رحاب المتولي” واحدة من أكثر المحطات تأثيرا في مسيرتي.
ذات يوم طلب مني الحضور إلى مكتبه بشارع باريس. ذهبت إليه فحدثني عن ديوانه الجديد. كان يتحدث عن الشعر كما لو أنه يتحدث عن فلسفة في الحياة، وكنت أشعر وأنا أستمع إليه أنني أمام شاعر لا يكتفي بكتابة القصيدة بل يفكر في عوالمها وأسئلتها وما وراء كلماتها.
ثم سلّمني نسخة من الديوان مرقونة بالآلة الكاتبة وطلب مني أن أقرأها مرات ومرات وأن أعود إليه باقتراحات وصور يمكن أن تصلح لغلاف الديوان.
خرجت من مكتبه وأنا أحمل الأوراق بين يدي، لكنني كنت أحمل معها شيئا أثقل بكثير، مسؤولية أن أصمم غلافا لشاعر كبير وأن أحوّل عالما شعريا إلى صورة.
كنت سعيدا، مرتبكا وربما خائفا دون أن أفهم تماما مصدر خوفي.
خرجت إلى شارع باريس ومشيت تائها بين الفكرة والصورة، بين ما قرأت وما لم أستطع بعد أن أراه. ثم وجدت نفسي وكأن قدميّ تعرفان إلى أين تذهبان، أمام كلية الفنون الجميلة التي احتضنتني طالبا.
درس جديد
كان عليّ أن أستشير أستاذي ومعلمي علي الناصف الطرابلسي الرجل الذي احتواني في سنوات الدراسة وترك في تكويني أثرا لا يزال حاضرا.
دخلت إليه وحكيت له عن الديوان وعن تكليفي بتصميم غلافه ووضعت أمامه النص والأسئلة التي كانت تدور في رأسي. أنصت إليّ ثم بدأ يحدثني عن كيفية الاقتراب من الشعر بصريا وعن ضرورة ألا يكون الغلاف مجرد صورة تزيينية ترافق الكتاب بل عتبة بصرية تدخل بالقارئ إلى عالم القصيدة.
كانت نصائحه بالنسبة إليّ درسا جديدا، أن أقرأ الديوان لا بحثا عن صورة جاهزة وإنما بحثا عن المعنى والرمز والإيحاء والجوهر البصري الكامن بين الكلمات. وأن أجعل الصورة تولد من روح النص، لا أن أفرض عليها شكلا من الخارج.
كان ذلك اللقاء مهما جدا بالنسبة إليّ، وربما كان أجمل ما فيه أنني وجدت نفسي أمام أستاذي الأول أستشيره في عمل سيقودني بعد أيام قليلة إلى شاعر كبير.
وكأن الخيط كان يكتمل بطريقة غريبة، علي الناصف الطرابلسي والميداني بن صالح، وكلاهما من خريجي المدرسة العراقية وأنا أقف بينهما حاملا أسئلة الصورة والشعر.
اقتراحات وصور
عدت بعد أيام إلى الميداني بن صالح وفي يدي مجموعة من الاقتراحات والصور والأفكار التي اشتغلت عليها. جلست أمامه في مكتبه وبدأنا نتحدث عن الديوان وعن الغلاف. كنت أظن أنني جئت محمّلا بالحلول فإذا بي أكتشف أنني جئت محمّلا بالأسئلة.
كان ينظر إلى الاقتراحات يناقشني، يسألني عن هذه الصورة ولماذا اخترتها وعن تلك العلامة وما علاقتها بالنص. لم يكن يتعامل معي كمن يطلب خدمة تصميم بل كفنان يمكن أن يناقشه ويحاوره.
ثم قال لي ما لم أكن أتوقعه: اقرأ ملحمة جلجامش.
كانت المرة الأولى التي أسمع فيها بهذا الاسم بهذا العمق. لم أكن أعرف يومها ملحمة جلجامش البابلية ولم أكن أدرك أن وراء تلك الحكاية القديمة عالما هائلا من الأسئلة حول الإنسان والموت والخلود والصداقة والبحث عن المعنى.
نصحني أن أقرأها، ثم أعود إليه.
بدأت أبحث وأقرأ، كانت تلك القراءة بالنسبة إليّ اكتشافا جديدا ليس فقط لملحمة من أقدم النصوص الإنسانية، وإنما لعالم كامل يمكن أن تتقاطع فيه الأسطورة مع الشعر والإنسان مع الزمن والموت مع سؤال الخلود.
كنت أعود إلى الديوان ثم إلى جلجامش، ثم إلى الصورة وأعيد النظر في كل ما اقترحته من قبل.
وبعد فترة عدت مرة أخرى إلى مكتب الأستاذ الميداني بن صالح، وهذه المرة لم أكن أحمل الاقتراحات نفسها. كنت أحمل صورا جديدة ولغة بصرية جديدة وأسئلة جديدة.
جلسنا من جديد. ويومها ربما للمرة الأولى في حياتي فهمت معنى أن تجلس وتعمل مع الكبار.
لم يكن الأمر أن رجلا كبيرا يعطي شابا صغيرا تعليمات بل كان حوارا حقيقيا. كنت أتعلم من شاعر، وأعود إلى أستاذي الفنان ثم أرجع إلى الشاعر من جديد، وفي كل مرة كانت الفكرة تكبر وتتغير وتتخلص من بساطتها الأولى.
لقد علّمني الميداني بن صالح من حيث لا أدري أن العمل الإبداعي الحقيقي لا يقوم على الإجابة السريعة وإنما على القراءة والبحث والعودة والتجربة وإعادة النظر. وعلّمني علي الناصف الطرابلسي أن الصورة لا تأتي من سطح النص وإنما من الغوص في طبقاته.
وهكذا أصبح غلاف الديوان بالنسبة إليّ أكثر من مهمة تصميم بل أصبح درسا في الفن والثقافة والحياة.
ولم تكن قيمة تلك التجربة في الغلاف وحده، وإنما في الطريق الذي قادني إليه، من مكتب الميداني في اتحاد الكتاب إلى أستاذي علي الناصف الطرابلسي، ثم العودة مرة أخرى إلى الشاعر، وأنا أحمل في كل مرة معرفة جديدة وأسئلة أكثر عمقا.
واليوم حين أستعيد تلك الأيام، أكتشف أنني كنت محظوظا بأن تبدأ مسيرتي في حضرة رجلين كبيرين، أستاذ علّمني كيف أرى وشاعر علّمني كيف أقرأ.
أما الميداني بن صالح فلم يكن بالنسبة إليّ مجرد رئيس لاتحاد الكتاب ولا مجرد شاعر كبير و رجل من رجالات الفكر. كان واحدا ممن آمنوا بي في بداية الطريق وفتحوا لي أبواب مجالس كبار شعراء وأدباء تونس وعرّفوني على قيمة الحوار مع الكبار، ثم أخذني من خلال ديوانه إلى جلجامش وإلى أسئلة الإنسان الكبرى.
وأجمل ما بقي من تلك التجربة أنني كنت في كل مرة أدخل فيها مكتبه أظن أنني ذاهب لأعرض عليه صورة فأخرج منه بفكرة جديدة وكتاب جديد وسؤال جديد.
..ثم كانت هناك نفطة
حين كنت أزوره في مكتبه كان الحديث كثيرا ما يعود إلى طفولته إلى مدينته، إلى نخيلها وواحتها وأرضها وذاكرتها. كان يتحدث عن نفطة بحب لا يحتاج إلى شرح وكأن المدينة كانت تجلس معنا في ذلك المكتب. كنت أراه وهو يستعيد طفولته لا يتحدث عن مكان مضى وإنما عن مكان ظل حيا في داخله.
كان ابن نفطة الذي حمل مدينته معه أينما ذهب وكنت أنا ابن نفطة أيضا أجد في حديثه عن الأرض شيئا من ذاكرتي وحنيني.
لذلك كلما عدت إلى تلك الصورة القديمة لا أرى فيها فقط فنانا شابا في بداياته يقف إلى جانب شاعر كبير، وإنما أرى مرحلة كاملة من حياتي، معرضا في تونس العاصمة ومطويات ومعلقات ومجالس كبار الشعراء والأدباء، وديوانا مرقونا بالآلة الكاتبة، وأستاذي علي الناصف الطرابلسي، وملحمة جلجامش التي اكتشفتها يومها، ومكتبا بشارع باريس كان يفتح أمامي كل مرة بابا جديدا.
هناك، في تلك السنوات عرفت فعلا معنى الجلوس والعمل مع الكبار، أن تدخل إليهم بفكرة وتخرج منهم بفكرة أكبر، أن تحمل إليهم صورة فيعيدونك إلى النص. وأن تظن أنك جئت لتصمم غلافا فتكتشف أنك كنت في الحقيقة تصمم جزءا من نفسك…




