علمتني الصحافة…

كتب صالح الحاجّة
اذا اردت ان تكون صحفيا ناجحا لا تتفلسف ..و’ما تصعباش على الناس’…
انت تعرف الماء جيدا دون شك ..
اذن كن كالماء ..
كن مثله في عظمته وبساطته في نفس الوقت ..
كن في منتهى السهولة والوضوح والمرونة مثله ..
ان اول درس يجب ان تتعلمه ثم تزرعه كالشجرة الثابتة في دماغك هو ان تخاطب الناس بلغتهم ..
ولغتهم بسيطة ومرنة وسريعة ..
ثم ماطولهاش وهي قصيرة …
الناس لا يحبون التجغجيغ …
لايحبون التلكليك ..
لا يحبون قول وعاود..
في امريكا عندما سينتدبون صحفيا جديدا يطلبون منه ان يلخص تقريرا مطولا يتكون من ثلاثين صفحة ..
يلخصه في ثلاثة جمل فقط ..فإذا استطاع اهلا وسهلا واذا فشل يقولون له: ‘برة روح’..
القارئ يقول للصحفي : قلي اش يوجع فيك والسلام ..
معناها اعطيني من الاخر ..وما تفددنيش …
جريدة المانية ذائعة الصيت وتبيع يوميا ملايين النسخ وصفها احدهم بقوله:
انها جريدة النصف جملة …
ويقول علي أمين مخاطبا كل صحفي جديد يشتغل معه : عندما تكتب تذكر دائما ان القارئ الذي سيقرأ لك مشغول ..ومهموم ..ولا وقت لديه ..فلا تزعجه بمحاضراتك ..قل له ثلاث كلمات وأطلق سبيله ..
والمعنى الذي يلح عليه علي امين صاحب الأسلوب المتفرد في الصحافة العربية يحب يقول :
يا سي الصحفي ما تفددش القارئ …سيبو وما تتفلسفش عليه ..
ولذلك فان كل الذين يكتبون بأسلوب اكاديمي لا يصلحون للصحافة ..
لهم مجلاتهم المختصة ..
لهم الكتب …
لهم المحاضرات في المحافل والنوادي الثقافية ..
لهم مجالاتهم المتخصصة التي يذهب إليها القارئ وهو ‘عارف علاش قادم’…
أما الصحف فليست لعبتهم ..وليست ملعبهم ..
وكنت احرص عندما كانت الصريح تصول وتجول بصالونها العتيد الذي شغل الناس على مختلف مستوياتهم …كنت أحرص على الإيجاز ..
كنت اقول للكتاب : التطويل ممنوع ..
وكنت مع الصحفيين احرص رؤساء التحرير على الإيجاز …
كنت اقول لهم : خبر بوسطرين عندي اهم من مقال بصفحة ..
وكانوا يرددون عبارة ‘بوسترين’ من باب التندر والفكاهة …
وانا مازلت عند هذا الاختيار …
ومنذ ان بدأت المهنة اخترت هذا الأسلوب…وكنت اكتب يوميا زاوية قصيرة بعنوان ” بطاقة ” …وكانت سهلة القراءة …سريعة الهضم …لا يتعب القارئ في قراءتها ..ولا يتعثر ..ثم اذا بدا القراءة لا يتركها الا بعد ان ينهيها ..
إن التحرير الصحفي فن مافي ذلك شك …ولكن اعتماده على أسلوب ما قل ودل هو حجر الأساس فيه ..
وكان مصطفى أمين وهو توام علي امين يقول لكل صحفي ناشئ : عندما تكتب اكتب وكأنك في البوسطة ستبعث ببرقية …اليست البرقية يجب ان تكون قصيرة لأن كل كلمة بثمنها …الكتابة الصحفية كذلك ..
ويقول علي هاشم :(كان أنيس منصور من أنصار تخفيف المقال؛ فالقارئ في زمانه لا يكاد يطيق صبرًا على قراءة المطولات من المقالات، وكان محقًا في زمانه فما بالك بقراء زماننا، الذين لا يبرحون هواتفهم ولا يطيقون البعد لحظة عن مواقع التواصل الاجتماعي، ولا يقرأ أكثرهم إلا العناوين فى المواقع والصحف.. وليت كتّاب هذه الأيام يدركون تلك الحقيقة ويعيدون قراءة ما كتبه الراحل العظيم أنيس منصور.. صدقونى سوف تتغير أشياء كثيرة.. وسوف يكسبون قراءً جددًا بلا ريب.)
وقد اعجبتني عبارة تخفيف المقال ..
هي عبارة راقصة تقول الكثير وتقول في ما تقول ان الكتابة الجيدة هي التي تكون خفيفة ذات ايقاع سريع فمن نام لا تنتظره الصحيفة ..
وقد اعترف لي الكثير من القراء انهم فرغوا من قراءة كتابي الأخير ‘خمرة الروح’ في جلسة واحدة ..أو في سهرة واحدة ..
لقد وجدوا متعة كبيرة في قراءته لأنه خفيف …وإيقاعه سريع …وانا اهتم كثيرا بهذا الجانب لأنني أعتبر الكتابة المقعرة والثقيلة مملة …ومتعبة …وتسلط على القارئ ‘طريحة’ قاسية ..وكثيرا ما تتحول القراءة الى واجب ثقيل وممل …والى عقوبة قاسية …فيهرب منها القارئ وهو يردد : اعطيني قرطلتي ما حاجتي بعنب ..
وانا لا اريد ان يهرب القارئ …
اريده ان يقرأ ويستمتع ..و’يعمل كيف’..و’راس بلا كيف يستحق السيف’…




