الأمين الشابي يكتب: قادة ‘مجانين’ مكانهم مستشفى الأمراض العقلية لا قيادة الدول!


كتب: الأمين الشابي
حين يكون قائد الطائرة أو السفينة أو حتى السيارة أو القطار فاقد للعقل ولا يعرف أين يتجه وبالتالي لا يُحسن القيادة، حتما ستكون النتيجة مأساوية، لا عليه هو فقط، بل وأيضا على المسافرين والراكبين الذين معه…
والخطير في الأمر وأن هؤلاء لا ذنب لهم سوى أنّهم كان من بين المسافرين في تلك الوسيلة. هذا ما يحدث للشعوب التي ابتلاها بقادة مجانين. والأهم من هذا كلّه وأنّ “هبال” هذا القائد أو ذاك لا يقتصر على شعبه بل غالبا ما تكون ضحاياه شعوبا أخرى لا تجمعها به لا اللغة ولا الدين ولا الجغرافيا ولا التاريخ، فقط جمعتها به الأرض هذه البسيطة التي تصرخ من أفعال وتصرفات هؤلاء القادة المجانين؟
وعليه عدّة أسئلة تطرح نفسها، منها/ هل عبر التاريخ قادة مجانين؟ وهل في عصر الحالي يوجد قادة مجانين؟ والسؤال الأهم ما تداعيات “هبال” القادة على الشعوب؟ وما هو الدواء لتفادي تسربهم إلى منصات الحكم والقيادة؟
قادة مجانين عبر التاريخ
هل القيادة الحكيمة للدول لا تمنع تسرب قادة مجانين إلى سدّة الحكم؟ ولكن تاريخيا، هناك الكثير من القادة المجانين، عجما وعربا، قادوا بعض الدول واعتلوا سدّة الحكم فكانت تصرفاتهم وقراراتهم تتسم بالغرابة وأحيانا كثيرة بالقسوة المفرطة. وليس من وصف يفي حقهم إلاّ القول بأنّهم عديمي الأهلية النفسية لقيادة الدول. وحتّى لا نُطنب في تعداد القادة “المجانين” ارتأينا ذكر بعض الحالات باعتبار وأنّ تصرفاتهم زمن حكمهم تدل على عدم أهليتهم لقيادة تلك الدول حتى لا نقول جنونهم.
ولعلّ أبرز هؤلاء القادة، عبر التاريخ، بل وأغربهم تصرفا هو الإمبراطور كاليغولا – في الحقبة الرومانية – حيث قرّر تعيين حصانه المفضل بمجلس الشيوخ الروماني. كذلك يذكر التاريخ الملك نيرون، الذي اشتهر بقسوته المفرطة واضطهاده الشديد لرعيته. بل اقترن اسمه بحريق روما الكبير باعتباره كان يغني ويعزف أثناء احتراق المدينة.
نيرون، راح ضحيته آلاف الرومانيين الأبرياء، فمنذ أن تولى مقاليد الحكم قام بتسميم آلاف المواطنين وأي شخص يعترض طريقه كان نيرون يقوم بدس السم له مباشرة. ومن المفارقات وأن من بين الأشخاص الذين قام نيرون بتسميمهم، والدته ومعلمه وقائد جيشه وغيرهم كثير.
ومن غرائب تصرفات بعض القادة هو ما كان يعتقد الملك شارل السادس (فرنسا) بأنّ جسده مصنوع من الزجاج. وتباعا لذلك كان يرفض أن يلمسه أحد خوفا من الانكسار على طريقة الزجاج. وقد عرف تبعا لذلك بلقب “شارل المجنون”
وللعرب أيضا مجانينهم
التاريخ العربي والإسلامي عرف أيضا بعض القادة المجانين أو الذين وصفوا بالاضطراب النفسي والعقلي بالاعتماد على تصرفاتهم العجيبة والغريبة زمن حكمهم والتي تصل أحيانا واتخاذهم لقرارات دموية. ولعل أبرز هؤلاء الحكام العرب أو المسلمين “المجانين” هم :
1/ الحاكم بأمر الله الفاطمي (مصر) الذي وصل به الأمر إلى حدّ تحريم أكل الملوخية على المصريين ومنع صيد أو بيع الأسماك. بل أمر بقتل كل الكلاب بالقاهرة إلى درجة أن خلت منها المدينة. ولم تتوقف قراراته عند هذا الحد بل أمر بقلب نظام الليل والنهار، وأمر الناس بأن يناموا نهارا ويفتحوا الأسواق ويمارسوا أعمالهم ليلا؟ ومن أغرب قراراته أن منع الإسكافيين من صناعة أحذية للنساء لمنعهن من المشي في الشوارع؟
2/ الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي رغم ذكائه المفرط وفصاحته وقدرته على التسيير الإداري، إلاّ أنّه كان ساديا ومتعطشا لشرب الدماء حيث أنّه لا يتوانى عن القتل وسفك الدّماء لأتفه الأسباب جعلت الكثير من المؤرخين يدرجون سلوكه تحت يافطة الاضطراب النفسي السادي.
3/ السلطان إسماعيل (المغرب)، هذا الأخير رغم ما حققه للمغرب من استقرار كبير إلاّ أنّه كان يوصف بالقسوة المفرطة حيث كان يقتل العبيد والحراس لمجرد المزاح أو لسبب أتفه من ذلك.
مجانين الحكم المعاصرين
رغم أن مصطلح “القادة المجانين” هو وصف غير علمي وغالبا ما يستخدم في سياقات سياسية أو شعبية للإشارة إلى سلوكيات غريبة لبعض القادة باعتبار ربما لما يعانونه من اضطرابات نفسية تؤثر على طرق حكمهم، ولكن يبدو وأن كلّ حقبة تاريخية لها قادتها المجانين – كما رأينا سابقا – وذلك بالنظر إلى أفعالهم وقراراتهم الغريبة و العجيبة وتصرفاتهم السادية أحيانا أخرى. فمن يمكن أن نصنفه في خانة القادة المجانين في عصرنا هذا. صراحة أول اسم يقفز إلى الأذهان هو الرئيس الحالي لأمريكا “ترامب” على أساس بعض تصرفاته الغريبة والعجيبة وبعض قراراته المتناقضة أحيانا كثيرة. فلو نأخذ الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” كأنموذج على مثل هؤلاء القادة المجانين وذلك أمام قراراته المتناقضة ومواقفه المتقلبة وخوضه لأكثر من حرب ونرجسيته المفرطة. فهل كل ذلك يعد تأكيدا على تصنيفه من بين القادة المجانين؟
من هذا المنطلق يقول بعض الدارسين لسلوك “ترامب” بأنه لا يُمكن طبيا اعتباره ضمن “القادة المجانين” لكن أسلوب قيادته وقراراته تبدو أحيانا متناقضة وغريبة. وبالتالي يرى علماء النفس، في تفسيرهم لسلوك ترامب، أن قراراته تعكس سمات شخصية فريدة من نوعها بدلا من كونها خطة استراتيجية بحتة. وتعكس شخصية غير تقليدية واندفاعية بل وشخصية نرجسية بامتياز.
استراتيجية تفاوض؟
في حين يحملنا التفسير السياسي في تصرفات ترامب إلى “نظرية الرجل المجنون” ويرى بعض المحللين أن ما يظهر للعلن كتصرف عشوائي أو متقلب هو في الواقع استراتيجية تفاوضية مقصودة والتي تقوم على خلق حالة من عدم اليقين والضغط لانتزاع تنازلات من الخصم.
بل يذهب البعض في الأوساط السياسية إلى تفسير تصرفات ترامب التي تتصف بالغرابة والتناقض بكونها أداة تكتيكية لإرباك الخصوم وبالتالي إدارة الصراعات بمنطق الفوضى المنظمة وليست ناتجة عن الأهلية العقلية؟
كلمة أخيرة
إن كان هذا التفسير النفسي أو السياسي لتصرفات الرئيس الأمريكي ترامب بكونه لا هو فاقد للأهلية الذهنية و لا هو متناقض في قراراته السياسية بل استراتيجية يتبناها، فبماذا نبرر كل ما ارتكبه “ترامب” من فظاعات وقتل لشعوب بأسرها سواء بطريقة مباشرة كما يحصل الآن في إيران أو بطريقة غير مباشرة كما يحصل في فلسـ.طين ولبنان وسوريا؟ وبالتالي وإن كان الرئيس الأمريكي يحظى طبيا وواقعيا وسياسيا بكونه راشدا وليس سفيها ولا مجنونا، فهل يمكن نعته بالتالي بمجرم حرب يستحق عرضه أمام العدالة للفظاعات التي ارتُكبت في عهده من قتل وتشريد ودمار؟




