عيسى البكوش يكتب/ محمد صالح الجابري (1940-2009) صاحب ‘إنه الخريف يا حبيبتي’


كتب: عيسى البكوش
‘ثمة وقت للحياة ووقت للشهادة على الحياة، ووقت آخر للخوف منها
كلنا ندور في فلك المأزق الذي تردينا فيه بين مُحب للحياة وشاهد عليها وخائف منها’.
هكذا خطّ يراع محمد صالح الجابري في أقصوصته الشهيرة ‘إنه الخريف يا حبيبتي’..
البدايات
ولد محمد صالح الجابري بمدينة توزر يوم 08 فيفري 1940، درس الابتدائي بمدرسة ابن الشباط بتوزر والثانوي بابن خلدون بتونس العاصمة، باشر مهنة التعليم بالمدارس الابتدائية من سنة 1961 إلى سنة 1967 تحول من بعد ذلك إلى بغداد حيث تحصل سنة 1971 من جامعتها على الإجازة في الآداب فعاد إلى أرض الوطن مدرسا بالمعاهد الثانوية.
ولكن شغفه بالاطراد في المعرفة وتحصيل المراتب العلمية جعلاه ينتقل إلى الجزائر حيث أحرز سنة 1980 على الدكتوراه في الآداب بفضل أطروحة حول محمود بيرم التونسي، وكان في الأثناء قد التحق بوزارة الثقافة ومن ثمة استنجبته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم فقضّى قرابة الثلاثة عقود بين ظهراني مقرها في تونس. كان يتردّد أثناءها على البلاد العربية وبالخصوص لبنان حيث كان له أصدقاء وأحبة وكان يحضر مجالس الفكر والأدب في بيروت بل كان هو محورها.
عمل جليل
ولقد قام بعمل جليل في عالم المعرفة شرقا وغربا إذ أنه اشرف على إعداد كمّ هائل من الموسوعات – 19 مجلدا – كذلك فعل بالأدب الجزائري في تونس وقد أصدرت مؤسسة بيت الحكمة هذا العمل في جزئين سنة 1991.
وقام بنفس الشيء بالنسبة للأدب الليبي.
أما عن الأدب التونسي فمدونته تعدّ من أهم الإنجازات في هذا المضمار يقول عنه الأديب المُنعّم محمد العروسي المطوي (1920-2005) في تقديمه لكتاب الشعر التونسي المعاصر (1870-1970) الصادر عن الدار التونسية للنشر عام 1976 :”لقد سلك الجابري في تأليفه لهذا الشعر أسلوبا لا يستغني عنه الباحث المختص ولا يصعب على عامة المثقفين وطلاب المعرفة … ومهما يكن من أمر فسوف يظل هذا الكتاب لبنة الأساس لدراسة الشعر التونسي الحديث مهما أتى بعد ذلك من روايات وأبحاث”.
الشعر التونسي الحديث
إثر ذلك أصدر مترجمنا ‘ديوان الشعر التونسي الحديث’ عام 1976 عن الشركة التونسية للتوزيع. يقول في تقديمه مبرّرا اختياراته :” لقد حاولت استنطاق الماضي وتأدية الشهادة بالنسبة للحاضر باعتباري شاهد إثبات وواحد من هذا الجيل الذي أنتمي إليه، جيل الستينيات معه نشأت وزاملت أكثر شعرائه صحبة ورفقة فلم أشأ أن تغيض تلك الشهادة في صدري وتموت في الذاكرة”.
ويختم بما يختلج به فؤاده :
“إن الشعر هو أوّل المعرفة وآخرها وهو خالد كقلب الانسان”.
ومن قبل هذه الفترة “الشعرية” كان الجابري قد سبح في لجّ الرواية فكانت “يوم من أيام زمرا” الصادرة عن الدار التونسية للنشر عام 1965 وقد نالت جائزة بلدية تونس كما أن الصديق المنعم علي العبيدي (1950-2025) قد حوّلها إلى شريط سينمائي ‘رديف 45’.
‘مصيدة’ الرديّف
لقد كشف الجابري عن المدينة التي قضى بها بعض سنوات الصبى وعن سكانها جراء انبعاثات الفسفاط :”إن صهاريج الفسفاط تبدأ في الدوران مع الشروق فما يكاد يتوغل نهار الرديف قدما في الالتهاب حتى تلتحم الاشعة بذرات الغبار المنطلقة من أرجاء المنجم فتنسج رداء فوق القرية فتظهر للناظر إليها كأنها في مصيدة كبيرة وكنت أنا أحد الذين يعيشون في هذه المصيدة.”
ثم كان “البحر ينشر ألواحه” الصادر عن الدار العربية للكتاب عام 1975 ثم “ليلة العشر” التي حوّلها إلى شريط سينمائي المخرج المنعم إبراهيم باباي (1937-2003).
كتابات في الصحافة
سنة 1977 ينشر الجابري مجموعة قصص تحت عنوان مخاتل “الرخ يجول في الرقعة” صدرت عن الدار العربية للكتاب. ومن قبلها كان قد أصدر “القصة التونسية : أوائلها وروادها” ذلك عام 1975 عند منشورات عبد الكريم بن عبد الله وقد نال بفضل هذه المدونة جائزة الدولة للدراسات الأدبية.
هذا إلى جانب مساهماته الزاخرة في عدد من الصحف التونسية كـ الصريح والصباح
لو وقع جمعها لشكلّت كتابا ذا حجم وفير، وكذلك الشأن بالنسبة للإذاعة أحاديث ومسلسلات – باب الخوخة نموذجا -.
توفي رحمه الله يوم الجمعة 19 جوان 2009.
تحمل اسمه منذ مدة المدرسة الإعدادية بحمام الشط فهل في ذلك كفاية؟ لم لا تحمل اسمه دار الثقافة برواد الغزالة حيث كان يقطن؟
لم لا ينتظم ملتقى دوري بمقر الألكسو حيث قضى نصف عمره يعنى بأثره الخالد؟ لم لا؟ فلننتظر …




