صالون الصريح

عبد اللطيف الفراتي يكتب: كيف الخروج من عنق الزجاجة؟

Abdellatif Fourati
كتب: عبد اللطيف الفراتي

بعد خروج البلاد من الحكم الاستبداد في مفتتح سنة 2011، وقيام الثورة وتوقع انتصاب واقع ديمقراطي، كان يعتقد أنه سيُمكن من حصول طفرة تنموية، باعتبار انطلاق الكلمة الحرة، وانقضاء زمن خنق الحريات…

بحيث يسود البلاد ، واقع موات للتنمية ونمو معدلات التطور الرقمي، والوصول بالبلاد إلى نسبة نمو متوسطة، كان الطموح أن تكون في مستويات عالية، تبلغ على الأقل 7 في المائة من الناتج، بل كان هناك من يبشر بنسبة من رقمين على غرار تركيا، عندما تحولت للممارسة الديمقراطية في الحياة العامة وقبل أن تصيبها ردة مدمرة…

نسب نمو صادمة!

غير أن السنوات مرت متشابهة ، ونسب النمو المسجلة وقد باتت كسيحة عاما بعد عام، في مستوى أدنى بكثير عما كانت عليه قبل الثورة، في زمن بات فيه قياس نجاح أو فشل الحكومات وفقا لنسب النمو المنجزة،.
وإذ بث رئيس الحكومة السابق الأمل، بالإعلان للعام الحالي 2026 عن توقعات بنسبة نمو تصل إلى 3،6 في المائة (وهي نسبة ضعيفة، حققت تونس نسبة متوسطة أعلى منها برقمين قبل الثورة)، فإن النتائج المعلنة من معهد الإحصاء، لا تدل على صحة ذلك التوقع من قبل رئيس الحكومة المقال، فنسبة النمو المسجلة للربع الأول من العام توقفت عند 2،6 في المائة، ولا شيء في التوقعات يدل على أن البلاد في طريقها لتسجيل أرقام أفضل.
وهي نسبة لا توفر حصيلة ضرائب أعلى للدولة، ولا قدرة على الاستثمار أكبر، ولا وفرة في التشغيل أعلى.

الاستثمار يتطلّب بيئة متكاملة

فالادخار ما زال كسيحا، والاستثمار لا الداخلي ولا الخارجي يدل على آفاق أفضل، وهما العنصران الرئيسيان لتوقعات أكثر تفاؤلا ، في ظل استمرار مناخ لا تتوفر فيه الحدود الدنيا من مناخ الثقة الباعثة على الاقدام على الادخار والاستثمار.
كما إنه إذا نظر المرأ لأرقام العمالة والتشغيل فإنه يلاحظ ـ وإن كان تم تسجيل تطور إيجابي طفيف ـ ، فإنه ليس ناتجا عن أسباب هيكلية ، بل لأسباب ظرفية بسبب محاصيل زراعية عالية أدت لاستخدام يد عاملة أكثر عددا، لكن العمالة الشبابية ما زالت تشكو لا فقط من ركود بل من تدهور في الفئة العمرية المفروض أن تكون دافع التنمية، باعتبار أنها هي التي تتضمن الكفاءات العالية التي تدفعها المدرسة والجامعة إلى سوق شغل في حدود 80 ألفا كل سنة..
علما وأن نقطة نمو واحدة لا توفر إلا 18 ألف منصب تشغيل.، و تبدو القدرة على تشغيل الكفاءات المتعلمة مصابة بالركود تبعا لتقلص حجم الاستثمار المنتج فورا، والذي يتولاه عادة القطاع الخاص والمبادرات الفردية في مقام أول.

تراجع الحاجة لليد العاملة

ولا يبدو ومنذ الثورة أن القطاع الخاص قد استعاد الثقة ، في مدى قدرة السلطة والإدارة على تحريك السواكن، بل إن العكس هو السائد، خصوصا في ظل تقلص فرص العمل تبعا لمكننة النشاط الاقتصادي بما فيه الصناعي والخدمي لتطور التقنيات وتراجع الحاجيات الى اليد العاملة القليلة الاختصاص.
إن تونس منذ الاستقلال توفقت إلى إقامة نسيج من رجال الاعمال ، بروح مبادرة عالية، وإلمام كبير بتقنيات كسب الأسواق، وهؤلاء يمثلون ثروة عالية القيمة تسعى بلدان معينة لجلبها إليها والاستفادة من خبراتها، في تحقيق التراكم الرأسمالي، الضروري مع روح المبادرة بل المخاطرة، إلى إنجاز المشاريع الكفيلة باستخدام يد عاملة أكثر كفاءة وأعلى تعليميا وبأعداد محترمة، وهؤلاء مكانهم الطبيعي وراء مكاتب تحفل بالقوى المؤثرة في الداخل وفي العالم، جالسة وراء المقود، بما أحرزته من معارف وعلاقات إنسانية كثيفة، بحيث أنها مؤهلة لتزيد الرصيد البشري تأثيرا على مسيرة التنمية، وإذا كان التراكم الرأسمالي، كثيرا ما يؤدي إلى تجاوزات مختلفة، فإن المجتمعات تعرف كيف تُعيد للتوازنات دورها..، فـ تعاقب المتجاوزين دون أن تكسر الآلة..

ففي البلدان التي حققت نسب نمو عالية لا تزج وراء القضبان بقدراتها الفاعلة ، بل بدفع الخطايا والغرامات بالصورة التي تفيض معها مالية الدولة، فلا تضطر الحكومات لتقديم ميزانيات ميزتها الأساسية العجز واللجوء إلى اقتراض أكثر فأكثر داخليا وخارجيا..
وذلك ليس باتخاذ قرارات مهما كان مأتاها تخنق المؤسسة وتعيق انطلاقتها فتخنق الدجاجة التي تبيض بيضا كل يوم..

المؤسسات هي القاطرة الحقيقية

فلا تتأثر المؤسسة سلبيا أو تعيق تطورها، فتطور المؤسسة التي هي القاطرة الحقيقية للنمو والتنمية تحت أي سماء، وهي التي تبدو في بلادنا مستهدفة ، وعاجزة على توفير لقمة العيش الفعلية، بمستوى دخل مضمون لا يتجاوز بعد الزيادات الأخيرة 554 دينارا، وهو دخل لا يقوم بأود عائلة حتى ولو كان مضاعفا بعمل الزوجين معا.
ولنا عودة لنواح أخرى…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى