بين معمّر القذافي و ‘الشيخ زبير’.. أسرار وحكايات


كتب: محمد المحسن
في عالم تتداخل فيه السياسة بالأدب، وتتشابك فيه الهويات مع الخيال السياسي، تبرز حكاية الزعيم الراحل معمر القذافي وشكسبير” كواحدة من أكثر الوقائع الطريفة التي تجمع بين سلطة الحكم ورهانات الانتماء الثقافي..
فبينما يُحتفي العالم في 23 أفريل من كل عام بذكرى رحيل الأديب الإنجليزي الأشهر ويليام شكسبير،يظل السؤال الذي أثار ضجة قبل عقود عالقا في الأذهان: هل كان شكسبير عربيا مسلما اسمه الحقيقي “الشيخ زبير”؟!
ما إن وطأت قدما العقيد معمر القذافي قاعة مجلس النواب التونسي في 29 أكتوبر 1996، حتى كان على موعد مع إحدى أشهر “نظرياته” التي ستُخلَّد في ذاكرة السياسة والثقافة العربية معا.!
اسمه الحقيقي ‘الشيخ زبير’!
وقف الرجل الذي حكم ليبيا لعقود، واشتهر بتصريحاته الصادمة، ليعلن للجمهور التونسي المذهول أن شكسبير ليس إنجليزيا كما يُشاع، بل هو عربي الهوية،اسمه الحقيقي “الشيخ زبير”، واستند في “برهانه” إلى ملامح الوجه وشكل الجبهة واللحية.
ولم تكن الابتسامات التي ارتسمت على وجوه النواب مجرد رد فعل على مفاجأة، بل كانت تعبيرا عن ذلك المأزق المعرفي الذي يحدث عندما تصطدم سطوة الخطاب السياسي بقدسية الأسئلة الأكاديمية.غير أن القذافي (رحمه الله)، الذي اعتاد ألا يُردّ عليه، شدد على أن كلمته ليست مدعاة للسخرية وأن الحقيقة عنده محسومة.
لم يبتدع القذافي هذه القصة من فراغ، بقدر ما كان وريثا لنزعة ثقافية أوسع تعود إلى القرن التاسع عشر.فقد سبقه الكاتب اللبناني أحمد فارس الشدياق،الذي أطلق الفكرة في سياق ساخر، قبل أن يطورها العراقي صفاء خلوصي في ستينيات القرن العشرين، محولا إياها من نكتة إلى أطروحة شبه جادة.ثم تلاهما السوري كمال أبو ديب بكتاب حول سونيتات شكسبير، ليجعل منه “سوريا”من صافيتا، وصولا إلى التركي قادر مصر أوغلي الذي أعاد تسميته بـ”الشيخ بير” وجعله من أصول بوسنية أو ألبانية.!
ذلك الترحال الدائم لهوية شكسبير في المخيال الثقافي الشرقي،من اسم إلى آخر ومن بلد إلى ثان،لم يعد مجرد فضول أكاديمي،بل تحول إلى مرآة تعكس حاجة سياسية وثقافية عميقة: الحاجة إلى استعادة “العبقري” المغتصب،إلى استرداد رمز الكلمة النافذة من الغرب وإعادة تموضعه في قلب التراث العربي والإسلامي.
والحقيقة الأكثر عمقا التي يكشفها هذا الجدل المستمر حول “تنصير شكسبير” أو “تعريبه” لا تتعلق بشكسبير نفسه بقدر ما تتعلق بنا نحن العرب والمسلمين في لحظات الهزيمة أو الاغتراب الثقافي.ففي خضم أزمة الحداثة، وتفكك المشروع النهضوي، وتراجع الدور الحضاري يبرز هذا النمط من ‘الاستيلاء التخيلي’ على رموز الآخر كشكل من أشكال التعويض الرمزي عن عجز حقيقي.
ليس مجرد نظرية تاريخية
إن القول بأن شكسبير مسلم أو عربي ليس مجرد نظرية تاريخية هامشية،بل هو أسلوب دفاعي لا واع يحاول إعادة بناء التوازن النفسي للحضارة عبر سرقة أبطال الخصم.
وإذ يظل السجل التاريخي واضحا لا لبس فيه بأن وليم شكسبير وُلد وعُمِّد وتزوج ومات في ستراتفورد أبون آفون،فإن استمرار هذه النظريات يكشف عن أزمة أعمق: أزمة الثقة في القدرة على الإبداع والمعاصرة، وأزمة الوعي بقيمة المختلف والاعتراف بتفوق الغير دون حاجة إلى نسبته إلينا.
إن إعادة شكسبير إلى “بيت الطاعة” العربي أو الإسلامي لا يضيف شيئا إلى عبقريته، لكنه يضيف الكثير إلى فهمنا لأنفسنا: كيف نرغب في أن نرى العالم،وكيف نتصالح مع تأخرنا،وكيف نحول أعظم كاتب في الإنجليزية إلى شخصية هلامية تتنقل بين البوسنة وصافيتا وسرت بحثا عن وطن بديل في خيالنا المكلوم.!
ويبقى شكسبير في النهاية،كما كان دوما،أعظم من كل هذه النظريات،وأكبر من أن يُحاصر في هوية واحدة ضيقة.!
حلم من أحلام العبقرية
إن أعماله التي تُرجمت إلى كل لغات الأرض، ومُثِّلت على كل خشبات العالم،هي التي تصنع عظمته،لا نسبه ولا لون بشرته.أما “الشيخ زبير” فسيبقى،على طرافته وإثارته، مجرد حلم آخر من أحلام العبقرية المستعارة،وضحكة أخرى مازالت ترن في قاعة المجلس النيابي التونسي،بينما يواصل شكسبير نفسه غير مكترث، رسم ملامح الإنسان في مرآة مسرحه الخالد.
وهكذا تظل حكاية “الشيخ زبير” شاهدة على مفارقة أعمق: أن نبحث عن عبقرية تنتمي إلينا، بينما العبقرية الحقيقية هي التي تجعلنا ننتمي إليها.فشكسبير لم يكن عظيما لأنه إنجليزي، بل لأنه إنساني.وربما كان الدرس الخالد في هذه الحكاية الطريفة أن الأمم لا تُبنى باستعادة ماضٍ مزيف، بل بصناعة مستقبل يُخلَّد.




