عيسى البكوش يكتب: العمران مرآة الإنسان


كتب: عيسى البكوش
كثيرا ما نردّد هذه القولة العطرة: ‘من كان في قلبه وردة لا يخرج من فمه إلا العطر’..
قس على ذلك ‘المرء على شاكلة عمارته’، أو إذا أردنا العكس أي أنّ العمارة دوما ما تكون على شاكلة بانيها، وكيفما كان عمراننا كنّا..
والمراد من كلّ ما سبق هو أنّ الإنسان منذ سالف الأزمان غالبا ما يعمّر الأرض طبقا لما يمليه عليه وجدانه أوّلا ثمّ الثقافة التي جُبل عليها في محيطه، وأخيرا بحسب الإمكانيات الماديّة والتقنيّة المتوفرة لديه.
الإنجازات الكبرى
ولا نتحدّث بالطبع عن الإنجازات الكبرى من أفعال الأمير مثل ما يقول الإفرنج Les faits du prince والتي تركت لنا فيما تركت الأعاجيب السبعة أي الأهرام وأخواتها وكذلك الأعجوبة الثامنة عندنا أي الحنايا، وحتّى هرم متحف اللوفر في باريس الذي صمّمه المهندس الصيني Pei فهو من فعل الرئيس ميتران وقد أثار في إبّانه جدلا وصخبا.
ولكن تلك سنّة الحاكمين فلهم أهواء ولهم ‘تجليّات’ وإلا ما كانوا أن يطغوا ويسرفوا مثلما فعل الملك لويس الرابع عشر لمّا تعلقت همّته بتشييد قصر فرساي، وقد كلف ما كلف الخزينة من أموال طائلة، وقد أراد أحمد باي محاكاته بإنشاء مجمع ملكي بالمحمّدية ولكن خانته خزينة البلد فبقي هذا المجمع غير المكتمل أثرا تعصف فيه الرياح وتعشش داخل أركانه الطيور.
عندما نتحدّث عن العمران فإنّنا نقصد ما يأتي به الإنسان عند بناء بيت له أو عند تخطيط مجمع للبيوت في حي أو في قرية أو في مدينة، وكثيرا ما تتحوّل القرية إلى مدينة كالفقاع مثل التضامن والعوينة وسكرة، ولقد كانت بالأمس القريب رياضا وحدائق أبّا.
إذن يبتني الإنسان مسكنا خاصّا به يعبّر من خلاله على حالته سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية وفيما يخصّنا هنا النفسيّة بحيث يكفيك أن تشاهد واجهة منزل حتّى تتبيّن هويّة ساكنيه.
‘قل لي ما سكناك أقول لك من أنت’..
ولكن حذاري من الانطباع الأوّل فهو كثيرا ما يكون خاطئا.
خذ مثلا المساكن في مدينة تونس العتيقة كتلك المتواجدة على طول نهج الباشا، فكل جدرانها مطليّة بالجير، ولكن في داخل البعض منها زخارف ودرر وهي على ملك الأثرياء و’الأشراف’. ويقول بعضهم أنّ هؤلاء يتستّرون من العين، والعين كما هو معلوم حق، والله أدرى بعباده وهو القائل ‘والله لا يحبّ كلّ مختال فخور’ الحديد 23.
سأقتصر في هذه السطور على ألوان المعمار، أمّا عن مكوّناته فيمكن الرجوع إلى من أفنى حياته في توصيفها وتوضيح دقائقها ومدلولاتها من أمثال الأصدقاء محمد العزيز ابن عاشور وعبد العزيز الدولاتلي وجميلة بينوس وجلال عبد الكافي والذين أثروا المدوّنة التونسية بعديد الأسفار في الغرض.
اللون بحسب تقديري هو دليل ناصع لما يخلد في نفس صاحب الجدران وهو المرآة العاكسة لذائقته.
دلالات الأبيض في المعمار
لقد استمعت هذه الأيّام عن طريق المذياع إلى إعادة حصّة ‘مجلّة الأحد’ التي كان يعدّها المنعّم بوراوي بن عبد العزيز سنة 1967 وفيها استجواب للفنانة اللبنانية نجاح سلام عند زيارتها إلى تونس وقالت أنّ ما لفت نظرها في بلدنا هو اللّون الأبيض في المعمار، واستنتجت أنّ هذا الأمر يدلّ على صفاء قلوب التونسيّين، كما عبّرت عن إعجابها بحديث التوانسة واستعمالهم لعبارات ‘يعيّشك، وسامحني’، وربطت هذه الأقوال بملاحظتها الآنفة.
هل ما زلنا أصفياء؟ سؤال خطير مثلما يردّد على مسامعنا أحد الأخوين الشابي من خلال شاشة التلفاز.




