عيسى البكوش يكتب: من أجل إحياء عيد القمح


كتب: عيسى البكوش
لقد تغنّى الموسيقار فيما تغنّى بالقمح:
‘القمح الليلة، الليلة يوم عيدو
يا ربّي تبارك ، وتبارك وتزيدو’..
لكأنّي به كان على علم من أنّ تونس التي انطلق منها المعز لدين الله الفاطمي سنة 972 نحو القاهرة التي اختطها مولاه جوهر على ضفاف النيل أنشأت عيد القمح سنة 1962.
بلاد القمح
عند مراجعتي لجرائدي العتيقة سُررت لمّا اعترضني في مجلة الإذاعة في عددها 81 تحقيق غير ممضى حول حدث عاشته منطقة وادي الزرقاء تحت عنوان ‘فرحة الفلاحين في عيد القمح’.
انتظم هذا العيد ببادرة من الرئيس المدير العام لديوان الأراضي الدولية المنعّم إبراهيم عبد الله وبحضور وزيري الفلاحة والثقافة المنعّمين عبد المجيد شاكر والشاذلي القليبي.
إنّ جذور القمح في بلادنا ضاربة في التاريخ، فمن سالف الأزمان وإفريقية هي مطمورة لا روما فقط بل المتوسّط.
لقد وجدت هاته الحبّة العجيبة تربة خصبة في أرضنا فأنبتت سنابل وفي كلّ سنبلة مائة حبّة. وهكذا بفضل الخالق تراكمت في كلّ موسم حبوب.
ولقد خصّه جلّ جلاله في كتابه العزيز بسبع آيات في سورة يوسف من 43 إلى 49.
والقمح قمحان: الصلب واللين، أمّ الصلب فهو تونسي أصيل بينما اللين أو الفارينة فقدم إلينا سنة 1911.
وأنواع القمح عديدة… يقول أهل الذكر أنها تفوق مائتين. ولنا في بلدنا قرابة المائة منها. وقد تمّ تلقيح البعض منها بالأصول المستوردة من الشرق والغرب من أوروبا وأمريكا وحتى أستراليا.
الأصول التونسية للقمح
في حديث أجريته مع المنعّم محمود دغيس رئيس قسم الحبوب بمعهد البحوث الزراعية بأريانة عند إعداد أطروحتي عن قرية أريانة، قدّم لي عرضا شافيا عن الأصول التونسية مثل المحمودي والبسكري والحميرة والدرياسي، وقال لي إنّ البحث جار لاستنباط أنواع جديدة.
كما أنه أفادني بأنّ هناك عيّنة تسمّى بأريانة 8 ودليله في ذلك مصدر يعود إلى سنة 1947: “L’Almanach agricole de Tunisie ” في صفحة 124، وفيه تفصيل هذه البذرة التي لقيت في قريتنا أرضا خصبة إلى جانب بذرة أخرى Koudiat التي وقع مثل صنوتها استخراجها من بذرة Florence X.
تعدّ كلّ تلك الأنواع في خانة البذور الممتازة، ولذلك كان يجب المحافظة عليها ولكن امتدت إليها أيادي النهب إبّان الحرب العالميّة الثانية لغاية في نفس الدول العظمى التي تروم احتكار مكونات الغذاء في الكون فتصير كلّ الأمم الأخرى مدينة لها في أقواتها مثلما تمّ للدولار الذي تحكّم في عالم المال إلى حدود 1971.
وعلى الرغم من وجود منظمة عالمية للأغذية فما زالت أمهات البذور في قبضة “الأقوياء”.
ولكن عندما ينتفض المستضعفون تعود البذور إلى معاقلها، وهو بالفعل ما حصل عندما أحدث ولأوّل مرّة بنك للجينات.
إحياء عيد القمح
لقد اصطحبت في أحد الأيام الخوالي المنعّم زكرياء بن مصطفى المناضل الشرس من أجل المحافظة على الأصول التراثية إلى تلك المنشأة حيث استقبلنا مديرها آنذاك الأستاذ منوّر الجمالي ولم أر قطّ القائد زكرياء فرحا مسرورا مثلما رأيته يومها فكان منتشيا سعيدا بما عاينه من عمل جليل أقدم عليه أصحاب الخبرة من أبناء وطننا الذين يجتهدون لاستعادة موروثنا من الحبوب وأينما وجد – ولو كان في الصين.
لذلك فإنّي أهيب بأهل الحلّ والعقد بإحياء عيد القمح الذي يمكن تنظيمه بالتداول في أنحاء تراب الجمهورية الذي أصبح كلّه بفضل إرادة مزارعينا وكدّ أيديهم مثلما تغنّت زهيرة سالم أصيلة باجة الخير ‘أرض المندرة والصابة’.




