صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: كيف أصبح المجتمع التونسي مجتمعا عنيفا؟

slama
كتب: نوفل سلامة

عاد في الآونة الأخيرة الحديث مكثفا عن العنف الخطير والجرائم البشعة التي بدأت تحتل شوارعنا وتمتد في فضاءاتنا العامة، ومعها عاد السؤال عن الأسباب والدواعي التي حولت الفرد التونسي إلى شخص يتساهل مع استعمال العنف المادي ويرتكب أبشع الجرائم…

وسؤال آخر حول الأسباب التي جعلت المجتمع التونسي المعروف باتزانه وكونه مجتمعا مسالما يعترف بالاختلاف والتعايش مع الآخر، ويقبل بالتعدد ويقوم على الانسجام يتحول إلى مجتمع متوتر فاقد لهدوئه وأفراده يتساهلون مع رد الفعل العنيف لأبسط الخلافات؟

حوادث عنف صادمة

كل هذه الأسئلة التي استحوذت على النقاش العام وفرضت على مختلف وسائل الاعلام وحتى السياسيين وأصحاب الفكر والثقافة الاهتمام المقلق كان بسبب الحادثة الأخيرة التي جدت في منطقة ‘كندار’ من ولاية سوسة بعد حصول مناوشة عادية بين مراهقين في وسيلة نقل مدرسي لتتطور خارجه وتنتهي بحصول جريمة صادمة بوفاة طفل عمره 14 سنة بعد أن تلقى طعنات بآلة حادة على مستوى الصدر من قبل طفل قاصر آخر في نفس عمر الضحية .. وتبع هذه الجريمة تعرض طفلة قاصر من سكان ضواحي العاصمة ذات 15 سنة إلى عملية احتجاز واغتصاب واعتداء جنسي وحشي من قبل ستة أشخاص كان من بينهم أطفال قُصر.

تغيّرات في المجتمع

في الحقيقة هذه النوعية من الجرائم وهذا النوع من السلوك ليس جديدا على المجتمع التونسي، وليس ميزة تختص بها غالبية الشعب فهي حالات تقع وتحدث وكانت تٌصنف في وضعية الأفعال المعزولة التي لا تُمثل عموم التونسيين واستثناء يحدث في أكبر المجتمعات في العالم والشعوب التي تعرف حالة من المدنية والتحضر، ولكن انتشارها الواسع في السنوات الأخيرة في مجتمعنا وتكثف حدوثها وتمددها في الزمان والمكان وتكرارها في حيز زمني قصير من قبل فاعلين يٌفترض ألا يرتكبوا مثل هذه الأفعال الإجرامية بكل تلك البشاعة التي حصلت هو الذي جعل ما حدث قضية رأي عام ومحل اهتمام واسع وقلق أوسع على صورة المجتمع وحياة الناس وعلى فكرة السلم الاجتماعي وقلق آخر على الشخصية التونسية التي يبدو أنها بدأت تعرف تحولات وتغيرات في صورتها وعناصرها ومكوناتها التي عرفت بها و انحرافا خطيرا لا يعرف منتهاه.
هذا الاهتمام بما حصل من جرائم خطيرة كان وراءه أطفال قصر حول الحديث إلى نقاش فكري وحوار لمعرفة كيف انتقل العنف الخطير إلى أطفال المدارس؟ وما الذي جعل أطفالنا القصر يصبحون مجرمين؟ وكيف نفهم أم مراهقا يصبح مجرما خطيرا يرتكب أبشع الجرائم وأخطر الأفعال؟

اتساع دائرة الإجرام

لفهم ظاهرة تمدد الجرائم الخطيرة التي ترتكبها فئة الأطفال في مجتمعنا ومعرفة أسباب اتساع دائرة الإجرام بكيفية لافتة في فضاءاتنا العامة قدمت عدة أجوبة وتم توجيه اللوم إلى العائلة وما تعرفه من تفكك أسري وتخليها عن لعب دورها ومهمتها الأساسية التربية وتقويم السلوك وما تعرفه من تأزم في العلاقات بين الزوجين وعجز الأبوين عن التربية الأمر الذي أدى إلى ضياع الأبناء وتعثر التحصيل الدراسي، وما رافقه من انقطاع مبكر عن التعليم…
وهنا يأتي الحديث عن دور المدرسة والدور الذي تم إبعادها منه عن قصد من كامل العملية التربوية وعملية التوجيه والإحاطة بعد أن تم سحب دورها التربوي وجعلها تكتفي بمهمة التعليم والتدريس العلمي لا غير وهي سياسة يقول عنها الخبراء أنها كانت خيارا كارثيا وفكرة خاطئة انتجت أجيالا بلا معنى ولا هدف ولا وضوح رؤية وخلفت طابورا طويلا من المراهقين منتشرين في كامل التراب التونسي الدولة لا تعلم عنهم شيئا بعد أن انقطعوا عن الدراسة وأصبحوا خارج حساباتها.
وهذا يعني أن كل العبء وكل الثقل قد وجه إلى مؤسسات النشأة الاجتماعية التي فقدت حضورها وأضاعت أدوارها التقليدية لتعوضها مؤسسات أخرى وجهات جديدة أصبحت هي المؤثر والموجه لهؤلاء الأطفال والشباب مما انتج كل هذا الفائض من الفوضى وهذه الحالة من التحلل وعدم الالتزام بالمعايير والضوابط والخروج عن المتعارف والمتفق عليه اجتماعيا وفي هذا المستوى من الفهم والتحليل يأتي الحديث على أزمة القيم وأزمة انحدار السلوك والأزمة الكبرى التي يعيشها المجتمع التونسي في ضياع معاييره ومرتكزاته الأساسية وأخلاقه و تخليه عن نماذج إرشاده الضرورية لينتج في النهاية هذا الفراغ تغيرا كليا في السلوك وينقل المجتمع التونسي الى مستوى آخر من أزمة الهوية وأزمة المعنى وأزمة الكيان.
يتحدث عالم الاجتماع البولندي ‘زيغمونت باومن’ في كتابه الأخلاق في عصر الحداثة السائلة عن السياق الذي تمر به كل المجتمعات الإنسانية وهي مجتمعات تتحكم فيها ما أسماه بـ ‘الأخلاق السائلة’ وعن الهندسة التي صممت للإنسان المعاصر من قبل صانعي القرار العالمي والأشخاص النافذة والمتحكمة في السياسة والاقتصاد والمال، وعن الأيديولوجيا التي تسود اليوم وتهيمن والتي اخضعت الإنسان إلى نظام حياة لا شيء ثابت فيه ولا صلب ولا حقيقة مطلقة دائمة ولا صواب مطلق ولا خطأ مطلق، وهو نمط عيش كل الأشياء فيه سائلة لا تعرف الثبات حتى تسهل عملية التحكم والتطويع وتحويل الانسان إلى سلعة تُباع وتُشترى وإلى إنسان سهل الانقياد.

إضعاف الروابط التقليدية

فهذا النظام العالمي الذي يحكم العالم لا يمكن حسب من يقف وراءه أن تصل إلى أهدافه إلا بإضعاف الروابط التقليدية من دين و أسرة وإضعاف العلاقة بالأبوين و الوطن والمربين في المدارس، و بالقدوات فهي كلها عوائق أمام تدفق القيمة الاستهلاكية فلما تضعف هذه الروابط يصبح الفرد دون مرجعية أخلاقية ثابتة يعود إليها لتشكيل سلوكه ونمط حياته فالهدف بكل بساطة هو تشيئ الإنسان ليصبح من دون كيان واضح ولا قيمة ثابتة ومن ثم يتحول الى مجرد رقم في أرباح الشركات…
فالأخلاق الصلبة مثل الوفاء والحشمة و الصدق والاحترام والانضباط والتقيد بالذوق السليم وغيرها، هي كلها عوائق أمام الاستهلاك السريع فهذه الثوابت في نظرهم يجب تحطيمها لأنها عائق حتى يصبح الانسان مستهلكا حرا من دون ضوابط ولا قيود ولا مرجعيات أخلاقية.
وفي المقابل يتحول الصادق الى شخص معتوه وصاحب المبادئ إلى متخلف والمتحّيل إلى ذكي ولتحقيق ذلك يتم توخي استراتيجية خطيرة تقوم على طرح فكرة صادمة مرفوضة في المجتمع يتم تقديمها على أنها مجرد حرية تعبير ثم يتم دعوة بعض الأكاديميين ليتحدثوا عنها و يشرحونها بكل برودة فتتحول هذه الفكرة الصادمة إلى عملية نقاش فكري وشيئا فشيئا يدخل على الخط الفن والدراما وتنتقل إلى الأعمال التلفزية والسينمائية فنجد البطل في الفيلم أو في المسلسل يمارس الأخطاء والممنوعات دون أي تحفظات وبطريقة تستهوي المتابع..
وهكذا يتحول الخطأ إلى أمر مقبول ويتعايش معه المجتمع ويصبح مسألة عادية لا تمثل إشكالا ولا تثير قلقا ومن يعترض عليها يُنعت بالتخلف والرجعية…
وهذا كله عايشناه في السنوات الماضية في ما قدم من أعمال درامية خاصة تلك التي تُعرض في شهر الصيام حيث يتم استعراض حالات شاذة ولا أخلاقية ومنحلة ويتم تقديمها على أنها هي الواقع الجديد الذي يجب أن نتقبله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى