هادي دانيال يكتب: مِن نتنياهو إلى زيلينسكي..مُتَلازمة الحرب والفساد ظاهرة صهـ.يونيّة


كتب: هادي دانيال
مِن المعروف أنّ رئيس وزراء الكيان الصـ. هيوني بنيامين نتنياهو يُحاكَم مُنذ شهر ماي سنة 2020 وإلى الآن أمام ‘القضاء الإسرائيلي’ بِتُهَم فساد أبرزها تلقّي هدايا بمئات آلاف الدولارات مُقابل تسهيلات ومزايا لرجال أعمال…
بالإضافة إلى إقرار تشريعات تعيقُ عَمَلَ صحيفة “إسرائيل اليوم” لِصالح مُنافِستها “يديعوت أحرونوت” مُقابل قِيام الأخيرة بتغطية إيجابيّة مُنحازة إلى نتنياهو، وتقديم تسهيلات تنظيميّة وماليّة لشركة الاتصالات “بيزك” بمئات ملايين “الشيكلات” مُقابل تغطية إعلامية منحازة أيضاً إلى “نتنياهو” وعائلته عبْر موقع “والا” الإخباري عندما كانت تملكه شركة “بيزك” قبْلَ أن تبيعه لاحقاً إلى رَجُلِ الأعمال “إيلي عازور”.
الرشوة والاحتيال
وهي تُهَمٌ ثابتة تتعلّق بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة ارتكبها خلالَ مَنْصِبَيْهِ وزيرَ مُواصلاتٍ ثُمّ رئيساً للحكومة، وَمِن المؤكّد أنّها ستودي به إلى السجن بِمُجَرَّد خُروجِه مِن الحكومة. ولذا تداولت وسائلُ إعلامٍ ومُحلِّلُون وسياسيّون وحقوقيّون حرْصَ نتنياهو على الخُروجِ بالكيان الصهـ.يوني مِن حربٍ والزجِّ بِه في حرب أخرى أو خوْض أكثر مِن حَرْبٍ في آنٍ واحِد على أمَل أن يُؤَخِّرَ بِذلكَ إجراءَ انتخاباتٍ قد تُخرِجُه نتائجُها مِن الحكومة إلى السجن الذي ينتظِرُه، أو على أمَل أن يُحقِّقَ إنجازات تدفع الجمهورَ الإسرائيلي بأغلبيّته اليمينيّة الفاشيّة إلى تثبيته في الحكْمِ أربَعَ سنوات أخرى إذا لم يكُن لسرطانِ البروستاتا “الغدّي” ولِعدَم انتِظامِ دقّاتِ القلب، رأيهما المُخالِف.
متلازمة الحرب والفساد
وبالتالي فإنّ نتنياهو يُراهِن على أنّ جرائمه ومجازرَ الإبادة التي ارتكبها ولا يزال يرتكِبُها في غزّة والضفّة الغربيّة ولبنان وسوريا واليمن وإيران، هي التي ستُراكم أصواتَ الجمهور الإسرائيلي لِصالحه في صناديق اقتِراعِ الانتخابات البرلمانيّة القادمة، على الرغم مِن إدانته كمُجرِم في المحاكم الدوليّة، وتراجُعِ مصداقيّة الرواية الإسرائيليّة الحادّ لِصالِح الرواية الفلسطينيّة عنْد الرأي العامّ الدولي، وخاصّة الرأي العامّ الغربي الأوروبي والأمريكي.
فاستِثمار “نتنياهو” لِمُتلازمة الحرب والفساد هنا قد يبدو شخصيّاً ولا يُجاوِز مَصالح العائلة الصغيرة، لكنّ الواقع أنّه ما كان بمقدوره مُواصلة هذا الاستثمار لولا أنّ متلازمة الحرب والفساد، تُفضي أيضاً إلى مُستثمِرِين آخَرِين في الفوضى وغياب القانون اللذين ينشأ عنهما تربة خصْبة لِنشاط الفساد بدون لاجِم، هُم أعضاد “نتنياهو” في حكْمه وجرائمه.
زيلينسكي ‘فرصة استثمار’
ولكن إذا كانت الحرب تحمي “نتنياهو” نسبيّاً مِن المُحاسَبَة على جرائم فسادٍ ارتكبَها حتى قبْل حربه الإباديّة على غزّة، فإنّها في حالة الرئيس الصهـ.يوني الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” فرصة استثمار في استضافة حربٍ صهـ.يو ـ غربيّة ضدّ روسيا مِن الأراضي الأوكرانيّة، على حساب المصالح الوطنيّة العليا للشعوب الأوكرانيّة. وإذا كان مُعظَم ضحايا حروب نتنياهو مِن “الأغيار” العرب والإيرانيّين، فإنّ مُعظَمَ ضحايا الحرب التي يستضيفها “زيلينسكي” من الأوكرانيّين. وبينما تُدَمَّر مُدُن وبلدات وقُرى الأوكرانيّين على رؤوسِ ساكِنِيها لِتَحقيق أهداف صهـ.يو ـ غربيّة، يملأ “زيلينسكي” وشركاؤه المُقَرَّبون جُيُوبَهُم بِعَشَرات وأحياناً مئات ملايين الدولارات، إنْ كان مِن المساعدات التي تصل “كييف” مِن مُشجِّعيها على مواصلة الحرب حتى آخر أوكراني (بولونيا لوحدها تبرَّعت بأكثر من 30 مليار دولار) أو مِن خلال تَلَقِّي الرشاوى على غرار ما حصل في شركة الطاقة النووية الحكوميّة التي تؤمِّن الكهرباء لأوكرانيا بأسرها، حيثُ فرَضَ مُساهِمون وسياسِيُّون يتصدّرهم “تيمور مينديتش” صديقُ “زيلنسكي” المُقَرَّب، و”أندريه برماك” الرئيس السابق لِمكتب الرئيس الأوكراني، على الشركات التي تضمَن سلامة مُنشآت الطاقة رشاوى تتراوح بين 10 و 15 بالمائة، وبلغت اختلاساتهم 112 مليون دولار أمريكي.
وفضائح حاشية “زيلينسكي” أكثر وأكبر مِن أن يُغطّيها دُخان حرائق الحرب وغُبارُ دمارها، و”أبطال” و “بطلات” هذه الفضائح غالباً ما يكونون مِن عظام رقبة الرئيس كما هو حال المحامية “أولغا ستيفاليشينا” التي كانت لخمس سنوات، أي حتى جويلية 2025 تشغل مَنْصِبَ نائبة رئيس الحكومة الأوكرانية لشؤون التكامُل الأوربي والأورو أطلسي بل جمعت إليه لفترة من سنة 2024 مَنْصِبَ وزيرة العدل، وباستخدام نفوذها نشطت في المُضاربة العقاريّة فراكمَتْ في رصيدها مِن جرائمِ الفساد هذه عشرينَ مليون دولار، ومثلها مثل بقيّة زملائها الذين أدينوا بِجرائم فساد، “أعفِيَتْ” مِن دُخُول السجن بِدَفْعِ كفالة ماليّة قدرُها 134 ألف دولار، وكانت أقصى عقوبة تَلَقَّتْها إعفاؤها في أوت 2026 مِن مَنْصِب سفيرة كييف في واشنطن.
وكي يلعبَ دَوْرَ نظيفِ اليَدَين بالَغَ الرئيسُ الأوكراني في بَعثِ هياكل مُكافحة الفساد، فأنشأ “الهيئة الوطنيّة لمُكافحة الفساد” و “برنامجَ مُكافحة الفساد” و “المكتبَ الوطنيَّ لمُكافحة الفساد” وبدلَ أن تُشكِّلَ هذه الهيئات الثلاث مَنظومةً مستقلّة لِمُكافحة الفساد، عيّنوا على رأس هذه الهيئات بِفَبْرَكةِ “انتخابات” شكليّة، أشخاصاً مُقَرَّبين من الرئيس والحكومة، وفي الوقت نفْسِهِ قام “زيلينسكي” نفْسه بِما سُمِّيَ “العمليّة الخاصّة” مِن أجْلِ “مُطارَدَةِ الخَوَنة” والتي استَهْدَفَتْ العامِلينَ في هيئات مكافحة الفساد الذين تصرّفوا على أساس أنّ هيئاتهم تُكافِح الفساد فعْلاً، وعندما خرجَ الأوكرانيّون إلى الشوارع احتجاجاُ على هذا الحيف الذي لحق بِعُملاء ومُدَّعِين عامِّين لأنّهم كانوا جادِّين وصادِقِين في محاربة الفساد، شَعَرَ الاتحاد الأوروبيّ نَفْسُه بالحَرَج مِن رَجُلِه “زيلينسكي” فسارعَ الأخيرُ إلى إلغاء “عمليّته الخاصّة”.
نفاق الغرب
لكنّ هذا الغرب الأوروبي المُنافِق الذي صرّح أحدُ مسؤوليه في “بروكسل” لصحيفة “فايننشال تايمز” أنّ “الاتحاد الأوروبي لا ينوي ضمَّ أوكرانيا إليه بسبب الفساد المستشري فيها”، وَالذي بَعْدَ كُلّ فضيحة يُطالبُ قادتُهُ زميلَهم “زيلينسكي” بأن “يُشدِّد الرقابة” و “يُكافِح الفساد”، يَفْعَلُ عَكْسَ ما يقول، فالاتحاد الأوروبي الذي يُدرِك جيّدا أنّ لا أحَد في النظام الأوكراني الحالي يُفكِّر مُجَرَّد تفكير بِمُكافَحَة الفَساد أو حتى بالتقليل مِنْه، مادامَ الغربُ يُواصِلُ إغراق حكومة “كييف” بالأموال، وعلى الرغم مِن ذلك تُعْلِنُ رئيسة المفوّضيّة الأوروبيّة “أورسولا فون دير لاين”، مُؤَخَّراً، أنّ صُنّاع القرار في الاتحاد الأوروبي سينقلون 1,4مليار يورو إضافيّة مِن الأصُول الرّوسيّة المُجَمَّدة إلى الحكومة الأوكرانيّة. وهذا القرار الأوروبّي لا يفْتَح شَهيّة صهـ.اينة “كييف” على جرائم فساد جديدة فقط، بل أيضاً على غلْق كُلّ الأبواب والنّوافذ في وجه أيّ فُرْصَة سلام كي تتواصَلَ الحرب التي تُغَذِّي الفساد لأنّها ذريعة استمرار تَدَفُّق المال الغربي إلى نُظَراء “نتنياهو” في أوكرانيا.
فالغرب المُنافِق بِمَعاييرِه المُزدَوِجَة، ينطبق على سياساته الخارجيّة خاصّة قول الإمام الشافِعي:
وَعَيْنُ الرِّضا عن كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ
ولكنّ عَيْن السُّخْطِ تُبْدِي المَساوِيا
فقد باتَ الغَربُ مِن الصفاقة بحيث لا يَجِد حَرَجاً في رفْع الشعار والعمل ضدّ محتواه في ذات الوقت، حتى صار بإمكاننا وصْف شعاراتهم بشعارات الأضداد تَيَمّناً بأسماء الأضداد، فقد ادّعوا أنّهم يُصدّرون الديمقراطيّة وحقوق الإنسان إلى العراق فدشّنوا شعارهم بفضائح سجن أبي غريب، و إقامة نظام مُحاصصة طائفيّة يَحُولُ دون استقرار العراق وتطوّره وتَقَدُّمه، ورفعوا شعارَ مُكافحة الإرهاب في سوريا فسلّموا دفّة الحكم في دمشق للفصائل التكفيريّة التي دشّنت حكْمها بالمجازر ضدّ الأقليّات العرْقيّة والدّينيّة التي يزعم الغربُ أنّه حامي حِماها عَبْرَ العالَم وحَوَّلوا سوريّا مِن دولة إقليميّة فاعلة ذات سيادة واكتفاء ذاتي في الغذاء والدواء والكساء والبناء والتعليم والطاقة والأمْن إلى مساحة جغرافيّة تراجعت ديمغرافيّاً واقتصاديّاً وصحيّاً وأمنيّاً إلى فوضى ما قَبْل الدولة..
وخلال عامَيْن فقط ظهرت مافيا عائليّة من ‘جماعة الحكم’ (في ظلّ سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على جبل الشيخ والقنيطرة ودرعا والسويداء وجزء مِن محافظة ريف دمشق)..
مذابح متواصلة
والجوع بات ظاهرة حادّة تنتشر كالوباء في المجتمع، ومجازر الإبادة ضدّ الطائفة العلويّة لم تتوقف منذ مجزرة مارس 2025 التي ذهب ضحيّتها 30 ألف بين شهيد ومفقود وجريح، أضيفَ إليهم هذا العام فقط 116 إنسان علوي بينهم سبعة تمّ اختيارهم للقتل هذا الأسبوع من بين ركّاب حافلة، فقط لأنهم علويون، دون أن ننسى المجازر بحق الدروز في السويداء وجرمانا وضدّ المسيحيّين بكنيسة مار الياس بالدويلعة قرْب دمشق وضدّ الأكراد في حيّ الشيخ مقصود بمدينة حلب…
هذه الجرائم وغيْرها يقترفها المشروع الصهـ.يو ـ غربي من خلال أدواته في سوريا، بينما يُواصِل نتنياهو احتِلالَ المزيد مِن الأراضي السورية مُهدِّدِاً باقتِحام دِمَشق إذا تقاعسَ الجولاني عن أداء دوره الوظيفي أو تلكّأ في تنفيذ المهامّ التي أوكِلَت إليه.
والشيء ذاته يفعلونه في أوكرانيا وفي الحالات جميعها تَحضَرُ الصهيـ.ونيّة وبرامجُها على المسرح وفي الكواليس فَتُدير هؤلاء الحكّام الذين يُمَثِّلونَ أدواراً مَرسُومةً لهُم وإن تُرِكَ لَهُم هامش ارتِجال لِملْءِ جُيوبهم قبْلَ أن يتمّ استبدالُهُم. ولكنْ إذا كانَ مُعْظَم حُكّام الغَرْب يسلكون هذا المَسْلَك التَّدميري ليس فقط لِمُقَدِّرات الشُّعُوب المُسْتَهْدَفَة صهيـ.و ـ غربيّاً بَلْ أيضاً لِمَرجعيّات الغرب القِيَميّة الحَضاريّة كي تَجِدَ الأجيالُ الغربيّة نَفْسَها قريباً جدّاً أمام عَدَمِيّة المرجِع، فإنّ النُّخَبَ الوطنيّة الإنسانيّة في الغرب عَيْنه إيّاه مُطالَبَة الآن بِوَضْعِ حَدٍّ لهذا الخطَر الوجودي الذي يُهدِّد شُعُوبها بِقَدْرِ ما يُهدِّد الشَّعْب الأوكراني، خَطَرِ تغذية هذه الظاهرة الصهـ.يونيّة : “متلازمة الحرب والفساد”، والبَدء بالضّغط النّاجِع حتّى تتوقّف أوروبا والولايات المتحدة الأمريكيّة عن ضخّ الأموال والأسلحة إلى أوكرانيا وفلسطين المحتلّة.




