صالون الصريح

عيسى البكوش يكتب/ المختار العتيري (1926-2007): مؤسّس أوّل مدرسة للمهندسين بتونس

issa bakouche
كتب: عيسى البكوش
المختار العتيري هو أحد بناة هذا البلد منذ 1956 سنة الاستقلال والسنة التي عاد فيها إلى أرض الوطن بعد أن تخرّج من أعتى المدارس العليا في فرنسا ‘البوليتكنيك’، وهو الخرّيج التونسي الثاني بعد المنعّم محمد علي العنّابي (1906-1962).

البدايات
ولد المختار العتيري بمدينة حمّام سوسة يوم الثامن عشر من شهر مارس من سنة 1926.
زاول تعليمه الابتدائي في مسقط رأسه ثمّ التحق بمعهد سوسة ثمّ واصل تعليمه الثانوي بمعهد كارنو حيث تحصّل على الباكالوريا، وكان الأوّل في ترتيب الفائزين وقتئذ، فتمكّن من السفر إلى فرنسا فقضّى فترة الدراسات التحضيرية بمعهد Louis Le grand ونجح على إثرها في الدخول سنة 1947 إلى مدرسة “Polytechnique” ولذلك فهو من فصيلة X47 التي يُعرّف بها فوجه.
عاد إلى تونس
ثمّ انضمّ إلى المدرسة المركزيّة للجسور والطرقات وتخرّج منها سنة 1951، ثمّ بعد مدّة قضّاها في الديار الفرنساويّة في التحصيل على خبرة الميدان، عاد كما عاد من قبله الوطنيّون من رجال العلم والمعرفة لمعاضدة جهاد شعبه في نيل الرقي وتحقيق التقدّم، فباشر عمله بوزارة الأشغال العامّة وانطلق كمهندس رئيس منذ سنة 1958 في الإعداد والإشراف على جلّ حضائر البناء والتشييد، فأشرف على بناء مطارات تونس قرطاج والمنستير وجربة وميناء قابس، وبمعيّة المنعّم لسعد بن عصمان السدود في حوض وادي مجردة، ثمّ من بعد ذلك كانت حضائر مرسى القنطاوي وياسمين الحمّامات والمدينة الرياضية برادس وجامع العابدين، علاوة على الطرقات والمحوّلات والمباني.
ولم يكتف بقبّعة المهندس فكان الفاعل الاقتصادي والفنّي في مجال الصناعات الكيميائية، وكان الرئيس المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز بين سنتي 1977 و1980.
ثمّ كان المستشار في المصرف العربي للتنمية في إفريقيا ومقرّه بالخرطوم، وكان المستشار لدى رئيس الجمهورية للمشاريع الكبرى.
مؤسس أوّل مدرسة تونسية للمهندسين
ولكن المختار العتيري له أثر خالد يفوق حسب تقديري كلّ الذي سبق، فإليه يرجع الفضل في تأسيس أوّل مدرسة تونسية للمهندسين وذلك سنة 1968، وكنت شاهدا على ذلك بصفتي الأمين العام لاتحاد الطلبة.
ولقد عشت عن قُرب بروز هذا الإنجاز من تحت الأرض في فجّ الريح – المنار حاليّا، وكان يردّد: هذه مدرستي. وكنّا وقتئذ نستكشف من هذا الكلام الشخصيّة، ولكن الآن وبعد ستة عقود فنحن نُثني ونقول: ” هي مدرستك حقّا يا سي المختار، وإنّي أجدّد دعوتي لإضفاء اسمه عليها وعدم الاقتصار على تسمية أحد المدرّجات!
طبعا من سمات المشهد الذي تبرز فيه هاته المدرسة التي مرّت منها الآلاف من مهندسي هذا البلد ومن بلدان أخرى، ذلك المسجد ذي الصومعة اللولبية الشبيهة بجوامع سامرّاء، لقد سخّر كلّ جهده لجعل هذه المدرسة لؤلؤة في جبين هذا الوطن، وإنّني لأذكر أنّه استنجد بالعلماء الرّوس لتأطير التلاميذ وخصّص لإيوائهم عمارة بحي الحدائق بأريانة.
كما أنّه كان يعتني بتلاميذه اعتناء الأب بأبنائه، لا فقط في تعلّماتهم بل في حياتهم الثقافيّة والرياضيّة إذ كان له شغف متضاعف بالفروسية والتصوير الفوتوغرافي.
وإنّي لأستحضر الأوقات التي جمعتني وإيّاه في رحاب وزارة التربية عند استعراض مطالب النقابة للطلبة وعندما يشتدّ النقاش، تراه يفصل آلة التصوير ويأخذنا بعدسته ويقول: C’est pour la postérité.
Issa Baccouche
صورة للمؤلف الأستاذ عيسى البكوش عام 1969 بعدسة المُنعم المختار العتيري في رحاب وزارة التربية
كان فكره متّقدا ولسانه متسقا وكان ينبذ الرداءة، ولم يكن يخشى في الحق لومة لائم، إذ أنّه كان من القلائل الذين يناقشون الرئيس بورقيبة ويدلون برأيهم كلفهم ذلك ما كلّفهم، وكثيرا ما كان يلقى الإكرام منه وهو الذي كان يقول في شأنه: ‘العتيري هو مفصل أساسي في العمود الفقري للبناء في هذا البلد’.
ولقد قابله سي المختار إحسانا بإحسان إذ أنّه أنشأ – وهو المستشرف الألمعي قبل العديد من البلدان- مركزا رائدا للإعلامية أطلق عليه اسم بورقيبة.
وقد عمل في زمن بورقيبة في النطاق القاعدي المحلي إذ أنّه حمّل أمانة مدينة حمّام سوسة من سنة 1957 إلى سنة 1960 وبذلك يكون قد تمرّس في جلّ المجالات إن محليّا أو وطنيّا.
ولقد رزق بأربع بنات منهنّ المهندسة عزّة الأولى التي التحقت بمدرسة “Polytechnique” عام 1977 أي بعد ثلاثين عاما من والدها، ودرّة التي أصدرت عام 2026 كتابا يحمل عنوانا يأتي على وجه آخر لـ “أب المهندسين”:
Mokhtar Latiri, un ingénieur avec au poignet droit un appareil photo” عن منشورات ‘كونتراست’.
توفي رحمه الله بمدينة حلق الوادي مقطنه لأكثر من نصف قرن في العشرين من شهر أفريل من سنة 2007.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى