متفرقات

‘يا بابا طلعني’…صرخة أيوب التي أبكت القلوب وأوقفت الزمن عند حافة الجب!

لم تكن تلك الكلمات التي أطلقها الطفل الجزائري أيوب مجرد صرخة طفل خائف في جوف الأرض، ولم تكن مجرد نداء عابرٍ يضيع بين جدران بئر مظلمة..كانت وجعا إنسانيا خالصا، يخرج من أعماق ثمانين مترا من الظلام ليصل إلى قلب أب يقف عاجزا،لا يملك سوى الصراخ والدعاء وانتظار المعجزة:

“يا بابا طلعني..يا بابا خرجني…”
أيُّ قلب يستطيع أن يحتمل مثل هذا النداء؟
وأيُّ أب يستطيع أن يسمع صوت فلذة كبده يستغيث به،بينما تفصل بينهما عشرات الأمتار من التراب والحجارة والظلام،فلا يستطيع أن يمد إليه يدا،ولا أن يحتضنه،ولا حتى أن يطمئنه بأن كل شيء سيكون بخير ؟!

في لحظة غفلة

في لحظة غفلة داخل مزرعتهم بولاية البيض الجزائرية، انقلبت الحياة إلى كابوس.ابتلعت بئر ارتوازية عميقة جسد الطفل أيوب، لتبدأ واحدة من أكثر اللحظات قسوة وألما على أسرته،وعلى كل من تابع تفاصيل هذه المأساة.
أرسل الأب أحد أبناء الأسرة ليتفقد أيوب،لكن الصغير عاد مسرعا يحمل خبرا نزل كالصاعقة:
“أيوب سقط في البئر !”
حينها لم يعد للأب عقلٌ يفكر، ولا قلب يعرف كيف يخفق..ركض نحو البئر كأن روحه تسبقه،وارتمى عند حافتها،وجثا على ركبتيه وهو ينادي بكل ما تبقى في صدره من قوة:
“أيوب… أيوب !”
ومن قاع ذلك الظلام،جاءه صوت صغير،مخنوق بالخوف والبرد والوحدة،لكنه كان ما يزال متشبثا بالحياة:
“نعم يا بابا..طلعني يا بابا..خرجني يا بابا…”
يا الله…
ما أقسى أن يكون الأب قريبا من ابنه إلى هذا الحد،وبعيدا عنه إلى هذا الحد في الوقت نفسه!

عمر كامل..

هناك، لم تعد الثواني مجرد وحدات زمنية، بل أصبحت عمرا كاملا من القلق.كل دقيقة تمر كانت دهرا في قلب أم تنتظر،وفي صدر أب يكاد يتمزق، وفي عيون رجال الإنقاذ الذين يسابقون الزمن بأيديهم وآلاتهم وإرادتهم.
رجال الحماية المدنية يحفرون،ويخططون، ويصارعون صعوبة المكان وخطورة المهمة،بينما الإنسانية كلها تبدو وكأنها تقف عند فوهة ذلك الجب،تحبس أنفاسها،وتنتظر أن يحدث المستحيل الجميل.!
ففي مثل هذه اللحظات،لا يعود أيوب طفلا لعائلته وحدها..يصبح أيوب ابن كل أمّ تخاف على أطفالها،وابن كل أب يعرف معنى أن تكون روحك معلقة بروح صغير،وابن وطن كامل يرفع يديه إلى السماء،وابن الإنسانية التي ما زالت تؤمن بأن المعجزات قد تأتي في اللحظة التي يظن فيها الجميع أن الأمل بدأ يتعب.!
إنها معركة غير متكافئة بين طفل صغير وظلام عميق،بين جسد غَضّ وقسوة الجب،بين الخوف والأمل..لكنها أيضا معركة تثبت أن الإنسان،حين يتعلق الأمر بإنقاذ روح،يستطيع أن يحشد كل ما لديه من قوة.
وربما كان أكثر ما يمزق القلب في هذه الحكاية أن أيوب لم يكن يطلب شيئا مستحيلا..لم يطلب مالا، ولم يطلب لعبة،ولم يطلب سوى أبيه.
“يا بابا طلعني…”
وكأن الأب،في وعي الطفل،هو العالم كله..هو الأمان،وهو اليد التي لا يمكن أن تخذله،وهو الحضن الذي يستطيع أن يهزم الخوف مهما كان عميقا.
لكن الأب هذه المرة يقف فوق الأرض،وابنه تحتها، وبينهما عجز لا يشبه أي عجز.

وفي النهاية..

اللهم إن قلب الأب لا يحتمل، وإن دموع الأم لا تُرد، وإن صرخة طفل من أعماق الظلام تهز عرش القلوب قبل أن تهز آذان البشر.
اللهم كما رددت يوسف إلى يعقوب بعد طول الفراق،وكما أخرجت يونس من ظلمات البحر، وكما جعلت بعد العسر يسرا،أخرج أيوب من ظلمات هذا الجب إلى نور الحياة،وأعده إلى حضن أمه وأبيه سالما معافى.
فيا رب..هناك أب ينتظر ابنه،وأمّ تنتظر فلذة كبدها،وقلوب لا تعرف أي دعاء ترفعه إلا دعاء واحدا:
اللهم..لا تجعل صرخة “يا بابا طلعني” آخر ما يسمعه أبوه من صوت أيوب..!

متابعة: محمد المحسن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى