صلاح الدين المستاوي يكتب: يوم قيل في الكلية الزيتونية ‘اتركنا نحن جئنا لنُغيّر الاناديس والأرابيل’؟!


كتب محمد صلاح الدين المستاوي
كان ذلك في حصة المدخل التاريخي ولي مع اساتذتها اكثر من مشاكسة فقد أنكر أحدهم ان تكون هناك دراهم التي ورد ذكرها في قصة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم
وماكان مني الا ان قلت عجبا أ يُقال مثل هذا الكلام في الكلية الزيتونية؟ وكادت أن تقع بيني وبين ذلك الأستاذ مشادة ولكن الله سلم..
اما الاستاذ الآخر في مادة التاريخ فقد تساءل كيف ينادي البعض بتطبيق الشريعة في هذا العصر؟ فهي في نظره ( تجاوزها العصر!) و هنا ايضا لم أتحمل سماع هذا الكلام أ يُقال هذا في الكلية الزيتونية؟! ووقعت مشادة بيني وبين الاستاذ وعندها التفت إلي زميلي الجالس بجانبي وقال لي ( لا تعطل الدرس نحن جئنا لنغير الأناديس والارابيل) بالفرنسية indice et rappel يقصد انه من فئة معلمي الترشيح الذين فسح أمامهم فضيلة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور رحمه الله المجال لما تولى عمادة الكلية الزيتونية لكي يواصلوا دراستهم الجامعية وهو ما لا يسمح لهم به في بقية كليات الجامعة التونسية..
قرار الشيخ بن عاشور..
وكان القرار من فضيلة الشيخ ابن عاشور رحمه الله من بين ما قام به في سبيل تفويت الفرصة على وزير التربية محمود المسعدي كي لا تغلق الكلية بعد أن أغلقت جامعة الزيتونة بدعوى توحيد التعليم الذي كان على حساب التعليم الزيتوني…
أتاح الشيخ ابن عاشور رحمه الله الفرصة لحملة التحصيل من الموظفين ومن معلمي التعليم وكذلك أتاح الفرصة لحملة شهادة ترشيح المعلمين الذين منهم الطالب الذي أراد إسكاتي لانه جاء لتغيير (الاناديس والارابيل)! اي ليصبح أستاذا بعد أن كان معلم تعليم ابتدائي ( علما بأن هذا الطالب تدرج في مراتب الوظيفة الى ان اصبح عميدا لأحد المعاهد بعد ان اعيدت جامعة الزيتونة سنة 1988)
وكنا قبل الأخذ بنظام التوجيه الجامعي قلة قليلة جدا من حملة شهادة الباكلوريا من اخترنا الالتحاق بالكلية الزيتونية في بداية السبعينات وكان أغلب زملائنا من الموظفين والمعلمين من حملة شهادة الترشيح..
حضور مكثف
وقد جعل فضيلة ابن عاشور رحمه الله الدراسة مسائية انطلاقا من الساعة الرابعة إلى الساعة الثامنة ليلا و كان يوم الجمعة هو يوم العطلة الأسبوعية بالنسبة إجابة الكلية الزيتونية وكان يوم السبت بعد الظهر ويوم الاحد صباحا بداية من الساعة 8 الى الساعة 12 هما اليومان اللذان يشهدان حضورا مكثفا من طرف طلبة الكلية وهما اليومان اللذان تبرمج فيهما الكلية المواد الرئيسية وكان الطلبة المرسمون في الكلية من الموظفين والمعلمين يأتون من مختلف الجهات القريبة ( من ولايات الساحل و من القيروان وباجة ونابل وبنزرت.. فضلا عن العاصمة وأحوازها) وكانوا في غالبيتهم ممن يتصفون بالجدية والانضباط ويتوفرون على رصيد علمي حصلوه لما كانوا تلاميذ في الفروع الزيتونية قبل إغلاقها.
رحم الله فضيلة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور عميد الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين ومفتي الجمهورية فإليه يرجع الفضل هو ومن كانوا معه من الشيوخ الزيتونيين الذين شدوا أزره من أجل بقاء الزيتونة ولو مجرد كلية الى ان يقضي الله أمرا كان مفعولا)
وهذا هو ما وقع فعلا فقد تجاوزت الزيتونة تلك الفترة الصعبة التي كان فيها وزير التربية (المسعدي ) يتباهى بما نزل إليه عدد طلبة الزيتونة وتهكم وزير آخر للتربية فقال بأن( كلية الزيتونة هي كلية (لاهوت ليلية)!
والتاريخ يشهد لوزراء آخرين للتربية كان موقفهم من الزيتونة افضل ممن ذكرته وهم ( احمد بن صالح ومحمد مزالي والشاذلي العياري) رحمهم الله وأجزل مثوبتهم
وحديثنا موصول عن اشجان الزيتونة في السنوات التي تلت إحراز البلاد على الاستقلال..




