صدى المحاكم

جريمة المروج: داخل الشقة مسرح الجريمة..فتشوا في أعماق البشاعة!

أن يقدم أب على قتل ابنتيه منطقة المروج القريبة من العاصمة تونس ثم يسلم نفسه للسلطات، فذلك ليس مجرد خبر جنائي عابر يضاف إلى صفحات الحوادث، ولا واقعة يمكن اختزالها في سطور قليلة ثم إغلاق الملف ومواصلة الحياة كأن شيئا لم يكن…

إنها صدمة تهز معنى الأسرة،وتضع المجتمع بأسره أمام سؤال ثقيل: كيف يمكن أن يصل الإنسان إلى اللحظة التي يصبح فيها أقرب الناس إليه ضحايا ليده؟!

زمن مخيف

نحن،على ما يبدو،نعيش زمنا مخيفا،لا لأن الجرائم أصبحت أكثر بشاعة فحسب،وإنما لأن بعض الجرائم باتت تبدو عبثية إلى حد يجعل العقل عاجزا عن استيعابها،والقلب عاجزا عن تصديقها. وفي مثل هذه الوقائع، يصبح السؤال عن “من فعل؟!” أقل إيلاما من السؤال عن “كيف وصلنا إلى هنا ؟!”.
صحيح أن القانون سيقول كلمته،وأن القضاء سيتولى تحديد المسؤوليات والملابسات،وأن التحقيقات ستبحث في تفاصيل الجريمة ودوافعها، لكن المجتمع لا يستطيع أن يكتفي بذلك. فهناك أسئلة أعمق لا تستطيع المحاضر الأمنية وحدها الإجابة عنها: ماذا كان يحدث داخل تلك الأسرة قبل لحظة الانفجار؟! هل كانت هناك إشارات لم ينتبه إليها أحد؟! هل كان العنف يتسلل إلى البيت في صمت؟! هل كان هناك اضطراب نفسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو عائلي لم يجد من يلتقطه في الوقت المناسب ؟!

نار تحت الرماد

وليس المقصود بذلك تبرير الجريمة، فالجريمة تبقى جريمة،والدم لا يجد له عذرا.وإنما المقصود أن نفهم،حتى لا تتكرر المأساة في بيت آخر، وحتى لا نستيقظ غدا على خبر أكثر فظاعة ثم نكتفي بالدهشة والشتائم والتعليقات العابرة.
لقد فقد النبش في الأسباب،أحيانا،شيئا من جاذبيته أمام سرعة الأخبار وإغراء الصدمة.!
نقرأ العنوان،نتداول الصور، نتبادل عبارات الغضب،ثم ينطفئ الخبر ليحل محله خبر آخر. وهكذا تتحول المآسي إلى استهلاك يومي،بينما تبقى جذور المرض الاجتماعي والنفسي مختبئة تحت الرماد.
وهنا تحديدا، يحتاج المجتمع التونسي،أكثر من أي وقت مضى إلى ورشات حقيقية للبحث الاجتماعي والنفسي،وإلى دراسات وأطروحات جادة تتجاوز لغة الأرقام إلى الإنسان نفسه.
نحتاج إلى تفكيك البشاعة لا لمسامحتها،وإنما لفهم الطريق الذي يقود إليها.
نحتاج إلى علم الاجتماع وعلم النفس والطب النفسي والأسرة والمدرسة والإعلام والقانون، جميعا،كي نبحث عن مكامن الخلل قبل أن تتحول إلى قبور.!

خطر ‘الاعتياد’

فالوقاية من الجريمة لا تبدأ دائما في مراكز الأمن، وقد لا تبدأ حتى في قاعات المحاكم،أحيانا تبدأ من بيت يستمع إلى أفراده،ومدرسة تلاحظ التغيرات في سلوك أبنائها،وطبيب أو أخصائي نفسي يجد الوقت والإمكانات للإنصات،ومجتمع لا يعتبر طلب المساعدة النفسية عيبا أو وصمة.
والأخطر من الجريمة نفسها أن نعتادها.
حين يصبح خبر قتل أب لابنتيه مجرد مادة للحديث ساعات قليلة على منصات التواصل،فإننا لا نخسر الضحايا وحدهم،بل نخسر شيئا من حساسيتنا الإنسانية أيضا.والمجتمع الذي يتبلد أمام الدم،مهما كان مصدره،يصبح أكثر هشاشة وأقل قدرة على حماية أفراده.
إن ابنتين رحلتا،لكن السؤال الذي تركتهما وراءهما لا ينبغي أن يموت معهما.
سؤالنا ليس فقط: من ارتكب الجريمة؟! بل أيضا: ماذا فعلنا نحن كي لا نصل إلى مثل هذه اللحظة؟! وماذا كان يمكن أن نفعله قبل أن يصبح الإنقاذ مستحيلا ؟!

في النهاية..

ليست أقسى الجرائم تلك التي تسيل فيها الدماء فقط،بل تلك التي تجعلنا نكتشف متأخرين أن وراء الجدران صرخات لم يسمعها أحد.
رحم الله الضحيتين،ولتكن مأساتهما ناقوسا في مجتمعنا: فالجريمة التي نعجز عن فهم جذورها، قد نعجز غدا عن منع تكرارها.

متابعة: محمد المحسن

تنويه:
في جريمة هزت المروج الأول،أصدر قاضي التحقيق اليوم بطاقة إيداع بحق أب ألقى طفلتيه من الطابق الثالث. فارقت الرضيعة (6 أشهر) الحياة فوراً، بينما تقاوم شقيقتها (3 سنوات) الموت في المستشفى بكسور في الرأس والأطراف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى