عيسى البكوش يكتب/ مليكة بن خامسة (1925-2023) ونجوى إكرام (1932-2010): أيقونتا الإذاعة..


كتب: عيسى البكوش
كثيرة هي الأصوات النسائية التي شنّفت مسامعنا من خلال محطّة الإذاعة التونسية خلال النصف الثاني من القرن الماضي من أمثال ليلى الريحاني، سيّدة المحرزي، علياء ببّو، جميلة العرابي، ناجية ثامر، هند عزوز، مفيدة زهّاق، زبيدة بشير وسيّدة البرقاوي إلا أنّ ثمة صوتان تميّزا وفازا بالحسن لصاحبتيهما مليكة بن خامسة ونجوى إكرام.
ولقد عدّتا أيقونتين للبناية الشاهقة والتي تحتل موقع البؤبؤ في شارع يحمل اسم أعتى القيم: الحرّية.
بدايات مليكة بن خامسة
مليكة بن خامسة هي مثلما كتب الصديق عبد الستار النقاطي في كتابه المرجع “ثمانون من أعلام الإذاعة” الصادر عام 2021 : ‘أوّل مذيعة قالت: هنا تونس’ كان ذلك سنة 1947 إثر نجاحها في مناظرة أعلنت عنها الإذاعة في مقرّها القديم بنهج أثينا، وقد طلب منها والدها المشاركة فيها وهو الذي كان يتابع بانتظام أخبار إذاعة لندن عن طريق مذياع جلبه من مصر.
تقول في حديث لها مع النقاطي: ” أنا أصيلة مدينة القيروان، كنت شاركت في حصّة إذاعة خاصّة بالأطفال كانت تعدّها المربية سعدية الدزيري عندما كانت تتردّد على مقرّ الإذاعة وهي ترتدي ‘السفساري’ ثمّ تخلت عنه بعد 13 أوت 1956 أي عند صدور مجلة الأحوال الشخصيّة.
كانت تقرأ النصوص وتقدّم الإعلانات ثم انضمّت إلى أسرة الجريدة الناطقة فأصبحت بفضل صوتها ذات الذبذبات الكهربائية ‘ملكة النشرات’.
و بالموازاة قدّمت عدّة برامج وأوّلها ‘بين السيّدات’ باقتراح من مدير الإذاعة آنذاك المنعّم البشير المهذبي.
حفل 20 مارس 1956
تحدّثت عمّا بقي عالقا بذاكرتها وهو الحفل الذي انتظم بساحة باب سويقة مساء العشرين من مارس 1956 احتفاء بالاستقلال وكانت تقطن آنذاك في الحلفاوين، وكان منسّق الحفل المنعّم الحبيب بولعراس ونشّطه المنعم الطاهر المليجي وغنّى فيه يوسف التميمي ومحمد أحمد وصالح الخميسي واختتمته الرائعة صليحة في الساعة الثالثة فجرا.
وتضيف :”ارتأت لجنة التنظيم تكريم ثلة من المقاومين فأجلستهم فوق “المدار” مع الفرقة الموسيقية وهم يحملون أسلحتهم، ولولا لطف الله لسقط الجميع لأنّ “المدار” كان مرتكزا على “مادريات لوح”.
تواصل عمل السيدة مليكة قرابة الخمسين عاما إذ أنها أحيلت على شرف المهنة عام 1995 والمعلوم أنها ظهرت أيضا في التجارب الأولى للتلفزة التونسية عام 1966.
ارتحلت عن عالمنا إلى عالم أفضل يوم 20 أفريل من سنة 2023.
نجوى إكرام..
أمّا عن نجوى إكرام وهو الاسم الفني الذي اختاره لها “مكتشفها” الإذاعي محمد حفظي الزليطني، فهي مبروكة العقبي ولدت في مدينة باتنة بالجزائر وقدمت إلى تونس صحبة والدتها إثر وفاة والدها وهي في السادسة عشرة من عمرها.
استقرّت بادئ ذي بدء في مدينة تونس وبالتحديد في نهج الباشا ثم تحوّلت إلى ضاحية Saint Germain الزهراء حاليا.
كتب أحمد العموري عنها في جريدة الصريح ليوم الأحد 07 نوفمبر 2010: ‘صادف أن شاهدها أحد العاملين في الحقل الإذاعي وهي تكتب على رمال الشاطئ كلمات فأعجب بخطها فاتصل بأحد أقاربه محمد حفظي واقترح عليه استغلال هذه الموهبة فامتنعت في البداية ثم استجابت.
وسرعان ما التحقت بقسم التمثيل بإشراف المنعّم حمّودة معالي فاحتلت مكانها ضمن كوكبة الممثلين المقتدرين من أمثال محمد الهادي وتوفيق العبدلي والزهرة فائزة وجميلة العرابي وفاطمة البحري ودلندة عبدو.
يقول العموري:”نالت حظوة لدى المسؤولين بالإذاعة وخاصة من الأساتذة: الشاذلي القليبي وأحمد اللغماني والتيجاني زليلة”.
قدّمت العديد من البرامج ومن أشهرها: “همسات الليل” التي كان يعدّها الشاعر مصطفى خريّف، ثمّ “بين البيت والشارع” و “في مثل هذا اليوم” من إعداد المنعّم توفيق بوغدير.
صاحبة الهمسة الليليّة الخالدة
وكانت بالخصوص صاحبة الهمسة الليليّة الخالدة: ‘العاشرة احترام الجار، العاشرة احترام النائم، ومن احترم غيره فقد احترم نفسه. فالرجاء من كافة المستمعين أن يخفتوا في أصوات أجهزتهم ويراعوا راحة غيرهم’.
لقد دعاها ذات يوم الشاعر الدمشقي نزار قباني لمصاحبته في إلقاء قصائده على ركح المسرح البلدي في أولى زياراته لتونس فلبّت وغرّدت، فقال عنها عند عودته :”لم ألاق في البلاد العربية صوتا في رقّة وجمال صوت المذيعة التونسية نجوى اكرام”.
بحسب العموري تتحاشى التنشيط أمام الجمهور، من ذلك أنّ فرائصها كانت ترتعش عندما أوكل لها أمر تقديم سهرة الاختتام لمهرجان صليحة بحديقة المشتل بالبلفيدير، ولقد قدّر لي أن أكون ليلتها ضمن الحضور.
ولكم سعدت لمّا شاركتني في تقديم حصّة ‘مع الطلبة’ التي كنت أعدّها للإذاعة بين سنتي 1968 و1969 بمعيّة الصديق صاحب الصوت الشذي المنعّم الحبيب حرّار تماما مثل صوت حمّادي الصيد.
أمّا الأصوات الجهورية فمن بين أصحابها منير شمّا وحامد الدبّابي ومحمد المحرزي الذي افتقدناه الشهر الماضي، بينما الأصوات ذات الذبذبات المغناطيسية فمن أحلاها صوت الطاهر مبارك وبالطبع مليكة بن خامسة.
وهي عذبة رقراقة عند عادل يوسف وعبد العزيز الرياحي ونجوى إكرام التي انتقلت رحمها الله إلى عالم الخُلد يوم الثلاثاء 02 نوفمبر من سنة 2010.




