صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب/ مخطط التنمية 2026 -2030 : الأهداف الحالمة، عائق التمويل والآليات المفقودة

Naoufel slama
كتب: نوفل سلامة

من المواضيع المهمة والمؤثرة في حياة الشعب والتي لم تلق ما تستحق من الاهتمام والنقاش العام في الشارع التونسي وفي المنابر الإعلامية مشروع القانون المتعلق بمخطط التنمية الخماسي 2026 – 2030 الذي انتهى إعداده واستوفى النقاش داخل مختلف لجان مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للأقاليم والجهات…

وتمت إحالته منذ أيام قليلة في وثيقة تأليفية إلى مكتب المجلس لعرضه على الجلسة العامة للمصادقة.

وثيقة مرجعية

وللتذكير فإن مخطط التنمية الخماسي هو الوثيقة المرجعية التي عادة ما تعتمد عليها الدول وتلجأ إليها الحكومات لتحديد الخيارات التنموية الكبرى وضبط مختلف التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للدولة خلال فترة زمنية محددة عادة ما تكون ثلاث سنوات أو خمس سنوات، وهي فكرة سبق أن اعتمدتها دولة الاستقلال في بداية التأسيس الأول في عملية التخطيط الاقتصادي..
ويبدو أن الدولة التونسية في رهاناتها قد انتقلت من الخطابات السياسية إلى الفعل والعمل، وقررت المرور إلى مرحلة متقدمة من التخطيط والبرمجة وتنزيل كل الأفكار التي يرددها الجهاز السياسي عن دور الدولة الاجتماعي والعدالة الاجتماعية والعدالة المجالية وتوزيع الثروة الوطنية بالتساوي والانصاف بين كل أفراد الشعب بغاية التقليل من إشكالية التفاوت الاجتماعي المتواصل، والحد من حالة القلق من المستقبل والحيف الاجتماعي الذي يعاني منه جانب كبير من المواطنين، والتقليص من عدم ثقة سكان الدواخل والجهات المنسية والمحرومة من السلطة المركزية وهي مناطق عانت لتاريخ طويل من الإقصاء والتهميش فمخطط التنمية إلى جانب كونه يضبط التوجهات الكبرى والعناوين الرئيسية للاقتصاد والتنمية، فإنه يحتوي مضمونا عمليا إجرائيا من المفروض أن يكون قابلا للتطبيق والتنفيذ من أجل تغيير حال التونسيين نحو الأفضل..

مشاريع تطوير

أهم ما يمكن قوله حول مشروع مخطط التنمية الذي تعتزم الدولة اعتماده خلال الخمس سنوات المقبلة، وتراهن عليه لإحداث النقلة النوعية في جميع المجالات وكل الميادين و التي بقي الشعب ينتظرها، وهي من أهداف الثورة التي لم تتحقق، أن مناقشته كانت مستفيضة مع جميع الجهات المعنية و الوزارات ذات النظر وحتى السماعات كانت هي الأخرى موسعة وشملت كل من كان معنيا بمسألة التنمية حيث استضافت اللجنة البرلمانية المكلفة بصياغة المشروع العديد من الوزراء وخاصة وزير الاقتصاد والتخطيط الذي عرض المشروع وفق تطلعات الأقاليم الخمس المتفق عليها والجهات التي تعود إليها بالنظر و ما تم برمجته لها من مشاريع تنموية وقدم بتفصيل كبير ما تعرضه الدولة في مخططها الخماسي من مشاريع لتطوير الوضع الاجتماعي والاقتصادي للشعب والبلاد عموما.
ما يمكن قوله من خلال الإطلاع على ما تم نشره من مضمون هذه الوثيقة التي جاءت في ثلاثة مجلدات ضخمة واحتوت على 708 صفحة أن مجهودا كبيرا تم بذله يُشكر عليه كل من قام به حاولوا أن يجعلوا المخطط يستوعب كل مشاكل ومطالب الشعب التونس ي وأن يغطي كل انتظاراته وأن يشخص كل النقائص والإخلالات والصعوبات التي منعت الشعب من التطور والتقدم، ومن العيش في وضعية مالية واجتماعية حسنة هو حقيق بها وممكن تحقيقها بقليل من العزم والإرادة والجهد..
وحاولت وثيقة المخطط أن تلمّ بكل المشاريع الضرورية المنتظرة في جميع القطاعات والمجالات كالنقل والتعليم والصحة والبنية التحتية والتهيئة العمرانية والانتقال الطاقي والتحول الرقمي وتطوير الفلاحة و تحقيق الأمن الغذائي وتطوير المنظومة المائية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الماء الصالح للشرب وتجنب حالة العطش التي تعرفها الكثير من المجتمعات واقتراح الاستراتيجيات الملائمة لكل هذه المجالات الحيوية والحلول الممكنة لها.

في ترتيب الأولويات

لكن ما تم الوقوف عليه بعد الاطلاع على مشروع مخطط التنمية الخماسي وتحليل مضمونه أنه يحتوي على جملة من النقائص من شأنها أن تعطل تنفيذه أو تعرقل انطلاقته أو أن تجعله يعرف صعوبات، وهو لا يزال في بداية الطريق أهمها مسألة تبويب المخاطر وترتيب الأولويات حيث لوحظ أن الوثيقة لا تُرتب التحديات ولا حتى درجة خطورتها ومدى تأثيرها على الاقتصاد والوضع الاجتماعي فجاء الحديث عن المخاطر مجملا وعاما ودون ترتيب الأهم على المهم، والخطير والأقل خطورة وما هو عاجل لا ينتظر تنفيذه وما يمكن أن ينتظر ويأتي في مرتبة أو مرحلة ثانية وغياب سلم الأوليات في حل الإشكاليات التنموية وتنفيذ المشاريع مسألة منهجية مهمة في عملية التخطيط والبرمجة الناجحة والعملية حتى لا نقع مرة أخرى في إشكالية فجوة القانون عن الواقع والطموحات عما هو ممكن تحقيقه ومعضلة الشعارات والنوايا الطيبة مع التنفيذ الفعلي والحقيقي.

مصادر التمويل؟

نقطة الضعف الثانية هي مسألة اللا يقين المالي وهي مسألة تتعلق بمصادر تمويل هذا المخطط الضخم فبقدر ما كان الحديث مكثفا عن دور الدولة الاجتماعي وهيمنة تدخلها في جميع المجالات التي تمس حياة المواطن و ضرورة تحسين كل الخدمات من صحة ونقل وتعليم وغيرها، والتركيز الكبير على ضرورة المرور وبالسرعة القصوى نحو الطاقات البديلة والانتهاء من مسألة التحول الرقمي كرافعة للتنمية والتقدم.
وبقدر ما تناولت الوثيقة بإطناب كبير أهمية تحسين البنية التحتية والرفع من مستوى دخل المواطن للتخلص تدريجيا من حالة العجز الاجتماعي بمحاصرة الفقر والبطالة من خلال الترفيع بالقدر الكبير من عدد مواطن الشغل المرتقب إحداثها حيث برمج المخطط التقليص من الفقر إلى نسبة أقل من 15% الحالية والترفيع في الدخل المتوسط للفرد التونسي ومضاعفته مرتين من 900 دينار شهريا خلال سنة 2025 إلى حوالي 1800 دينار خلال سنة 2030 والترفيع من نسبة النمو من 2.4% خلال الفترة الممتدة بين سنة 2021 وسنة 2025 إلى 4.2 بالمائة خلال الفترة الممتدة بين سنة 2026 وسنة 2030 كل هذه الأهداف الطموحة وغيرها من الأرقام الواردة بهذه الوثيقة تفقد قيمتها و يصعب تحقيقها ويجعلها غير واقعية إذا لم يصحبها حديث واضح ودقيق عن مصادر التمويل، والإجابة على السؤال المهم من أين ستأتي الدولة بكل هذه المبالغ الضخمة التي يحتاجها تنفيذ هذه المشاريع في كل القطاعات، وكيف ستوفر الدولة مصادر التمويل اللازمة للوصول الى أهدافها في مجال البطالة والفقر والتشغيل والنمو والمقدرة الشرائية..
فـ عدم توضيح هذه المسألة بالقدر الكافي في تمويل البرامج الواعدة يجعل من الحديث عن الإقلاع الاقتصادي والتطور الاجتماعي في وثيقة مخطط التنمية حديث حالم يفتقر للواقعية اللازمة رغم أن الوثيقة قد صرحت أن 61% من تمويل المشاريع ستكون بموارد الدولة و 31% بتمويل ذاتي للمؤسسات والمنشئات العمومية و 8% فقط بالشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص.

قضية المشاريع المعطلة

نقطة الضعف الثالثة أشار إليها أحد النواب حيث ذكر أن الكثير من المشاريع المبرمجة في وثيقة المخطط الخماسي هي مشاريع قديمة وتعود الى مخططات تنموية سابقة ومحسوبة على حكومات سابقة ولم يقع إنجازها في حينها، أو الشروع في إنجازها ولم تستكمل لصعوبات مالية أو عقارية أو استكملت وتحتاج إلى تفعيل لها مما يجعلها مشاريع لا ترتقي حسب رأيه إلى إحداث ديناميكية مرجوة خاصة وأن الكثير منها معروف وهي من المشاريع المعطلة التي لا يمكن احتسابها على النظام الحالي.

كيفية خلق مواطن الشغل

نقطة الضعف الرابعة أن المخطط بقدر ما تناول بإطناب كبير المسألة الاجتماعية وركز على الوضع الاجتماعي للفرد فإن حديثه عن وضع البطالة خلال الفترة الممتدة بين سنة 2026 وسنة 2030 وهي المرحلة التي راهن عليها المخطط كان حديثا غير دقيق يفتقد إلى الوضوح في بيان الرؤية المتكاملة لكيفية خلق مواطن الشغل اللازمة خلال السنوات الخمس المقبلة ولا كيفية تطوير سوق الشغل للتقليص من وضع البطالة بطريقة عملية مضبوطة وأرقام دقيقة واحصائيات حسب القطاعات حيث لم يتضمن مشروع المخطط الخماسي استراتيجية واضحة بآجال محددة ونسب دقيقة عن مواطن الشغل الواجب خلقها وإيجادها للحد من وضع البطالة المهددة للكثير من الشباب بمغادرة البلاد والتفكير في مشروع الهجرة السرية إلى بلدان ما وراء البحار عله يجد وضعا اجتماعيا أفضل ومستقبلا حالما وعملا قارا يحقق له كرامته التي افتقدها في بلاده.

هل من سيناريوهات بديلة؟

نقطة الضعف الخامسة تتعلق بغياب الحديث عن الحلول البديلة في حالة تعثر تنفيذ المشاريع أو تعرض تنزيل المخطط على أرض الواقع إلى صدمات غير مرتقبة مختلفة خارجية تتعلق بالوضع العالمي وحالة الاقتصاد الدولي ومناخية تخص التحول المناخي غير المرتقب وغير المنتظر والذي يؤثر تأثيرا كبيرا على الوضع الفلاحي والاقتصادي والاجتماعي للدول حيث كان المطلوب أن تتضمن الوثيقة سيناريوهات بديلة لمختلف حالات الهشاشة التي يتعرض لها الاقتصاد لتفادي التوقف الكلي لتنفيذ المشاريع المبرمجة والحلول لكل الصور التي قد تعترض تنفيذ المخطط وتحقيق أهدافه في مواعيدها.
وهذه النقطة تحيلنا على موضوع التقييم والمساءلة وهي آليات متابعة مهمة في نجاح البرامج التنموية والمخططات الاقتصادية وضعف آليات الرقابة والمساءلة في صورة تأخر إنجاز المشاريع أو فشلها هي مسألة مهمة تسمح للسياسي بالتدخل في الوقت المناسب لتفادي التعثر وإصلاح العطب و الاخلالات المتسببة في توقف المشاريع ومنع إنجازها في آجالها المحددة المتفق عليها.

برنامج طموح..ولكن!

المهم في هذه الملاحظات التي تساق بخصوص محتوى وثيقة المخطط التنموي الخماسي أن الدولة التونسية قد قررت المرور إلى التطبيق الفعلي لفكرة الدور الاجتماعي للدولة الذي لطالما تحدث عنه رئيس الدولة وأكد عليه في العديد من ظهوره الإعلامي وتنزيل الشعارات في الخطاب السياسي حول العدالة الاجتماعية وتحسين حال الجهات المنسية، والتي عانت من أشكال الإقصاء لعقود وتحويلها إلى برنامج عملي يلامس كل شواغل المواطن ويستجيب لتطلعاته وقامت بالتشخيص اللازم لأمراض المجتمع والاقتصاد وقدمت الخطوط العريضة والعناوين الكبرى للإصلاح…
ولكن نقاط الضعف في هذا البرنامج الطموح أنه يفتقد إلى جملة من المسائل المهمة لإنجاحه أتينا على البعض منها ومعها يبقى السؤال المهم المتعلق بمسألة فكرية فلسفية عادة ما تطرح أثناء إعداد مثل هذه المخططات التنموية في علاقة بمعرفة هل أن المطلوب هو إعطاء الأولوية لتوزيع الثروة أم لخلقها؟
وهل أن المطلوب توزيع التنمية أم إعانة المواطن على كيفية حصوله على الثروة؟ يقول الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي ‘إن المشكل في هذا المخطط التنموي الذي بذل في اعداده جهد كبير أنه على ما يبدو قد انطلق من أفكار مسبقة سبقت التشخيص وبناء على ذلك تم وضع التصور للإصلاح، وهذا التمشي هو خيار علمي غير منهجي ولا يؤدي إلى نتائج ملموسة بل يجعل من المخطط الطموح مجرد أحلام قد تتحقق وقد لا تتحقق’..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى