جهات

تطاوين…الموز في قلب الصحراء!

في مشهد يبدو متناقضا مع كل ما هو معروف عن الجغرافيا الطبيعية، تنبت بواكير تجربة زراعية فريدة في عمق الصحراء التونسية.

ففي ولاية تطاوين، وتحديدا بمنطقة الذهيبة الحدودية، انطلق مشروع طموح لزراعة الموز، ذلك المحصول الاستوائي المرتبط بالمناخات الرطبة لا بالصحاري القاحلة، ليثير أسئلة علمية واقتصادية وبيئية حول إمكانية إعادة تعريف الزراعة الصحراوية.

قسوة صحراوية

يتميز مناخ تطاوين بقسوته الصحراوية الحارة مع تفاوتات حرارية شديدة وهطول نادر للأمطار، وتربة رملية فقيرة مما يجعل زراعة الموز،الذي يحتاج إلى كميات ضخمة من المياه تتراوح بين 1200 و2200 ملم سنويا وتربة عميقة وحماية من الرياح والصقيع،تحديا علميا بامتياز.

مشروع طموح

أطلق المشروع مستثمر شاب، ابن المنطقة، لإثبات قدرة البيئة الصحراوية بعد تهيئتها على إنتاج فواكه استوائية، مستفيدا من أشعة الشمس الساطعة والمساحات الشاسعة.ويضم المشروع حاليا حوالي ثلاثة آلاف شجرة موز،
بإشراف مهندسين تونسيين،وقد أكد نجاح مرحلته الأولى.

ركائز المشروع

ويعتمد نجاحه علميا على ثلاث ركائز أساسية: نظم ري محكمة تستغل المياه الجوفية عبر آبار ارتوازية كبئر “شوادا 1” التي تتجاوز تدفقاتها 70 لترا في الثانية،مع دعم محلي لتزويدها بالألواح الشمسية لخفض التكاليف،وتهيئة التربة الرملية بإضافة المواد العضوية والأسمدة وإنشاء مصدات رياح،والتحكم في المناخ المحلي باستخدام البيوت البلاستيكية أو الشباك الظليلة للحماية من التطرفات الحرارية.
لا يقتصر الأثر على الجانب العلمي، بل يمتد ليشمل أبعادا تنموية كبرى في ولاية تعاني البطالة والهجرة،حيث يمكن أن يخلق فرص عمل دائمة في الزراعة والتعبئة والنقل،ويحفز الاستثمار في البنية التحتية،وينوع الإنتاج الفلاحي ويقلل الاعتماد على استيراد الموز، معززا الأمن الغذائي.
ويأتي هذا المشروع في سياق حراك تنموي بتطاوين يشمل مشاريع كبرى كالقطب الواحي ببرج بورقيبة وبرامج دعم الفلاحين الصغار.

تحديات كبرى

ورغم التفاؤل، يواجه المشروع تحديات جسيمة، أبرزها استدامة الموارد المائية في منطقة تعاني أصلا من الشح،وخطر الأمراض الفطرية الفتاكة – كمرض الباناما – التي تبقى في التربة لعقود،فضلا عن التكلفة الاقتصادية العالية للتجهيز والري والحماية،وتزايد حدة التغيرات المناخية والجفاف مستقبلا.
يمثل هذا المشروع أكثر من مجرد تجربة فلاحية، إنه بيان بقدرة الإنسان على تحدى الموروث الجغرافي بالعلم والإرادة،حيث تثبت المبادرة أن الصحراء يمكن أن تصبح أرضا للإنتاج بتوفر الرؤية والكفاءة.

سؤال كبير؟

ويبقى السؤال الأكبر: هل سيكون هذا المشروع بذرة لثورة زراعية في الجنوب التونسي،أم سيظل نموذجا محدودا يواجه قسوة المناخ وشح الموارد؟!
الإجابة تتوقف على مدى قدرة هذه التجربة على التطور والانتشار،وعلى دعم الدولة والمؤسسات المالية والتقنية لتحويل هذا الطموح إلى واقع ملموس يغذي الأمن الغذائي وينعش الاقتصاد المحلي.
وفي كل الأحوال، فإن شجرة الموز التي ترفع رأسها اليوم في رمال الذهيبة هي دليل على أن الحياة،بإرادة البشر،يمكن أن تزهر حيث لا يتوقعها أحد..!

متابعة: محمد المحسن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى