صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: نموذج جديد للفلاحة يحقق الأمن والسيادة الغذائية لـ تونس..

slama
كتب: نوفل سلامة

الملاحظة التي نخرج بها اليوم بعد كل التطورات المتسارعة التي يعرفها العالم وتداعيات الحروب والنزاعات التي لا تزال مشتعلة في مناطق كثيرة، خاصة الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية على تراجع سلاسل إمداد الغذاء العالمي وتعطل تزود الكثير من الدول بمواد الطاقة الضرورية للحياة من النفط والغاز…

تغيّرات مناخية وبيئية

وما يحصل من تغيير متواصل بنسق سريع للوضع البيئي والمناخي الذي أثر على حالة التساقطات وكمية الأمطار وما يقابلها من ارتفاع في درجة حرارة الأرض، أو ما يعبر عنه بسخونة الأرض العالية والتي باتت تتطلب المزيد من الطاقة لتبريد الفضاءات الحيوية التي يحتاجها المواطن من مساكن ومعامل ومدارس وغيرها…

الملاحظة البارزة التي حولها اليوم اجماع كبير هي ضرورة إعادة النظر في كل السياسات والبرامج الحكومية للدول وإعادة التفكير في الاختيارات التنموية..

نموذج جديدة للفلاحة؟

وفي هذا السياق المحكوم بتأثير التحولات العالمية العميقة أوصت منظمة
‘غرينبيس’ Green peace مكتب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الحكومة التونسية بضرورة إعادة التفكير في نموذج جديد للفلاحة ومراجعة الرؤية الحالية للزراعة والإنتاج الفلاحي، بما يحافظ على الإنتاج المحلي من الزراعات ويزيد من انتاج المحصول الفلاحي وإعادة التفكير في نموذج جديد يحقق الأمن الغذائي والسيادة الوطنية المانعة ضد كل تدخل أجنبي في مجالاتنا الحيوية و الحائلة دون وصايا الآخر على قراراتنا السياسية…

استعمار من ‘نوع جديد’

أمن غذائي يحقق الاكتفاء الذاتي من الغذاء الذي يضطر البلاد إلى اللجوء إلى الخارج لاستيراد قوتها أو استكمال ما ينقصها من مواد فلاحية من قمح وشعير ومختلف المواد الغذائية الضرورية لعيش المواطن وهي حالة ووضعية تجعل البلاد في ارتباط دائم ومتواصل بالأجنبي وفي علاقة تبعية دائمة تشبه وضع الاستعمار ولكن بصيغ جديدة معاصرة.

قضية الماء أولا

إعادة التفكير في نموذج جديد للإنتاج الفلاحي الذي أوصت به منظمة
‘غرينبيس’ يُركز على مسألة مهمة للغاية ويلامس موضوعا جديّا لم يعد يقبل الانتظار أكثر، هذه المسألة وهذا الموضوع هو قضية الماء العنصر الأساسي في الزراعة في سياق محلي وطني يشير إلى أن تونس من أكثر البلدان استعمالا للطاقة واستعمالا للماء حيث بينت الدراسات والتقارير أن الفلاحة التونسية تستهلك قرابة 75 % من كمية الماء المتاحة مما يستدعي المحافظة على هذا النسق من استعمال وتوظيف الماء في الإنتاج الزراعي في وضع مناخي يعرف تراجع في كمية التساقطات وتمكن الشح المائي إلى سنوات طويلة.
كل هذه المعطيات تجعل من قضية الأمن الغذائي لم تعد مجرد حديث نظري ونقاش منابر حوارية وإنما تحوّلت إلى قضية خطيرة لها تأثيرها المباشر على حياة المواطنين وخيارا واضحا له علاقة مباشرة هو الآخر بالسيادة الوطنية واستقلال القرار السياسي السيادي ومعركة فك الارتباط مع كل هيمنة أجنبية وتبعية جديدة للآخر.

الفلاحة قاطرة الاقتصاد

المشكل في قضية الفلاحة ومراجعة الخيارات التقليدية المتبعة والدعوة إلى التفكير بطريقة مختلفة في تسيير هذا القطاع الاستراتيجي في الاقتصاد التونسي، وهذا المجال المركزي في عملية التنمية وتحقيق النهضة المنتظرة أن ما طالبت به منظمة ‘غرينبيس’ ونبهت إليه ليس بالأمر الجديد وإنما هو توصية معروفة أشارت إليها كل التقارير والدراسات منذ سنوات وبقيت في رفوف الوزارات والجامعات ومراكز البحث والدراسات ولم تتحول إلى برامج وخطط عملية وسياسات منفذة و قرارات فاعلة وراءها إرادة حقيقية لجعل قطاع الفلاحة قاطرة الاقتصاد التونسي ودعامة أولية في عملية التنمية وتحقيق السيادة الوطنية في مجال الزراعة وتحقيق الأمن الغذائي المفقود الذي يجعل تونس تحقق استقلالها الحقيقي وتوفر غذاءها بنفسها ومن دون حاجة إلى الارتماء في أحضان الغرب الاستعماري المتحكم.
إن الغائب في مسألة تطوير قطاع الفلاحة وتحسين المردودية الزراعية من خلال توفير الكميات اللازمة والضرورية من الماء باستعمال الطاقة الشمسية لتحلية ماء البحر والاستفادة من هذا النوع من الطاقة لإنتاج الكهرباء الطاقة اللازمة لتوفير الماء للاستعمال الزراعي أن هذا الملف مرتبط بإجراء جملة من الإصلاحات الضرورية للخروج من مرحلة الأزمة والدخول في مرحلة الانتعاش والانتقال إلى بناء مسار فلاحي أكثر استقرارا.

مسكنات لا تدوم طويلا ولا تصمد كثيرا!

الغائب عن هذا الملف أن تحسين الوضع الفلاحي لا يمكن أن يتحقق بالحلول الظرفية الترقيعية التي يمكن أن تُقدم مسكنات لا تدوم طويلا ولا تصمد كثيرا أمام حجم التحديات واتساع دائرة التحولات التي يشهدها العالم والتي تؤثر تأثيرا مباشرا على دوام الفلاحة..

الغائب الأبرز!

إن الغائب البارز إلى جانب مسألة الإرادة السياسية والقناعة الضرورية بأهمية الفلاحة وأولوياتها بالاهتمام على كل قطاع آخر هو الفعل و تنفيذ القرارات بالسرعة المطلوبة و الشروع في تنفيذ الخيارات التي أفرزتها عملية التفكير الجديدة وفرضتها، والتي انتهى إلى ضرورة إتباع نموذج جديد للفلاحة يقوم على استعمال الطاقة الشمسية لتوفير كمية الماء اللازمة للفلاحة والإنتاج الزراعي.
المشكلة التي نعاني منها وتعاني منها أغلب الشعوب المرهقة والمتعبة أنها تبقى في حالة تردد طويلة أمام إشكاليات حلولها واضحة، وفي حالة ترقب وانتظار تجاه حزمة من الإصلاحات الضرورية أشارت إليها المعاينات وانتهى إليها النقاش العام والبحث العلمي وهي ضرورية لتحسين الوضع وتحقيق التقدم والوصول إلى حالة سيادية متقدمة تحقق الاستقلال الحقيقي وتقطع مع كل تبعية وهيمنة وخضوع للخارج…

ومن هذه الحلول الواضحة والتي لم يعد يعتريها الشك أن الفلاحة التونسية إن هي أرادت البقاء والدوام والمحافظة على منتوجها الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي من دون حاجة إلى الآخر فعليها الاستفادة من الطاقة الشمسية المشروع الاستراتيجي الذي عليه أن ينطلق لمعالجة مشكلة الطاقة ومعالجة مشكلة التغيرات المناخية التي قللت من كمية الأمطار السنوية، وتسببت في ارتفاع درجات الحرارة.

الاستثمار في الطاقات النظيفة

فاليوم بات واضحا أن تونس عليها أن تمر إلى الاستثمار في الطاقات المتجددة والطاقات النظيفة، وأن تعول بالكامل على الطاقة الشمسية الخيار الوحيد للتقليص من العجز الطاقي المرهق لميزانية الدولة والخيار الوحيد لمجابهة مسألة شح الأمطار ومسألة السيادة الغذائية من خلال توفير الكميات اللازمة من الماء لتحقيق ما نحتاجه من إنتاج زراعي يحقق الاكتفاء الذاتي ويغنينا عن اللجوء إلى الآخر لتوفير غذائنا..
ومن وراء ذلك يحقق لنا السيادة الوطنية والأمن الغذائي ويُبعدنا عن التبعية ووضع الوصايا وحالة التدخل في قراراتنا وخياراتنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى