صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب: فرنسا الحرّة!؟

slama-7
كتب: نوفل سلامة

تيار فكري قوي بدأ يتشكل في فرنسا ويكشّر عن أنيابه ونهج سياسي وأيديولوجي جديد بدأ يظهر في الساحة الفرنسية ويكتسح الشوارع ويصنع رأيا عاما في حالة اتساع متواصلة..

هذا التحول الذي بدأت تتحدث عنه مختلف وسائل الإعلام نقطة التقائه أو الرابط الجامع بين مختلف مكوناته هو المطالبة بفرنسا قوية بعيدا عن كل هيمنة أو أي تدخل في الشؤون الداخلية وخاصة هيمنة الإتحاد الأوروبي الذي يراه أصحاب هذا التيّار قد كبل الإرادة السياسية وقلص من هامش حرية التحرّك.

شخصيات تتزّعم

يتزعم هذا التيار الكثير من الطيف السياسي التقليدي ممثلا في الأحزاب الماركسية والكثير من الزعامات اليسارية على غرار ” لوك ميلنشون ” رئيس حزب فرنسا الأبية و” فلوريان فيليبو ” رئيس حزب المناضلون الشخصية البارزة في حزب الجبهة الوطنية قبل أن ينفصل عن هذا الحزب له توجهات قومية سيادية وهو امتداد للفكر الديغولي و يتبنى عقيدة تشكك في الوحدة الأوروبية وينادي بخروج فرنسا عن هذا الحلف، ويدعو إلى مزيد تدخل الدولة في الاقتصاد و الالتحاق بمجموعة ‘البريكس’..

ونجد ضمن هذا التيار الواسع شخصيات بارزة ومؤثرة في الحياة السياسية مثل دومينيك دو فيلبان الكاتب و السياسي و رئيس الوزراء الأسبق المعروف بأفكاره المناصرة لاسترجاع فرنسا لسيادتها التي تخلت عنها وتعزيز استقلالية فرنسا وأوروبا عن التحكم الأمريكي، لفت إليه الأنظار برؤاه المناهضة للتدخلات العسكرية الغربية، وعُرف في الفترة الأخيرة بانتقاداته الشديدة لأفكار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومناصرته للقضية الفلسطينية التي يعتبرها تتعرض إلى مظلمة تاريخية، ويرى أن تسويتها وتحقيق السلام في الشرق الأوسط لا يكون من دون معالجة الجرح الفلسطيني.
من أفكاره المهمة ضمن مشروعه ‘فرنسا الإنسانية’ تأسيس رؤية سياسية إنسانية لمواجهة الانحرافات التي يراها خطيرة في المشهد السياسي العالمي التي سوف يدفع كلفتها جميع سكان العالم.

تيار ‘مُقلق’ للحكومة

هذا التيار المقلق للحكومة الفرنسية الحالية، وهذا التوجه الذي بدأ يجلب إليه شباب الجامعات والكثير من المثقفين لم يبق مجرد رؤى متناثرة معزولة أو نقاشات جانبية تُدار في غرف مغلقة أو في حوارات النوادي الفكرية ومقرات الأحزاب السياسية وإنما تحول إلى حركة شارعية قوية وحركة احتجاجية ترفع شعار ” فرنسا الحرة ” أو فرنسا حرة ” والتعبير عن ذلك بكل غضب في المسيرات والمظاهرات في الشوارع..
في حركة احتجاجية عنيفة في شكلها التنظيمي وفي طريقة خروجها حيث يلبس أنصارها البدلات السوداء والقبعات السوداء ويرفعون الأعلام السوداء مع تغطية جزء من الوجه بمنديل هو الآخر لونه أسود على شاكلة التنظيمات المقاتلة، ويقومون باستعراضات تشبه الاستعراضات العسكرية والتنظيمات النظامية تخيف من يراها وهي حركة سياسية راديكالية تعبر عن حالة الغضب الكبير الذي يجتاح الشارع الفرنسي ومختلف أفراد الشعب الفرنسي وينمّ عن تحولات عميقة وكبرى يعرفها هذا البلد والكثير من بلدان العالم التائق إلى الحرية والراغب في الخروج من دائرة هيمنة القوى العالمية ومنظومة العولمة المسيطرة ونظامها الاقتصادي العالمي الفارض لقوانينه الظالمة.

مشاكل فرنسا الطارئة

هذه الحركة الصاعدة بأفكارها الثورية الرافضة للهيمنة التي خضعت لها فرنسا جراء دخولها في الوحدة الأوروبية والمطالبة بإنهاء حالة الاحتواء التي تمارسها ألمانيا والحلف الأطلسي ومن ورائهما الولايات المتحدة الأمريكية ما يفقدها سيادتها على قرارها السياسي وهامش الحرية والتحرك في فترة الأزمات والأوقات الصعبة حيث تجد فرنسا نفسها أمام مشاكلها الطارئة في حلف سياسي واقتصادي أوروبي يمنعها من إيجاد حلولها بنفسها واختيار قراراتها الحرة..
وهذا ما ظهر بكل وضوح في أزمة الطاقة الأخيرة التي تسببت فيها الحرب الأمريكية الإيرانية وما نجم عنها من غلق لمضيق هرمز الشريان المهم في تدفق السلع إلى أوروبا وحركة عبور السفن الناقلة للغاز والمحملة لمادة البترول اللازمين لحياة الفرد الأوروبي في الوقت الذي كان بإمكان فرنسا تخطي مشكل الطاقة، لو لم تنخرط في الحصار المضروب على روسيا البلد القادر على تأمين احتياجات فرنسا من الغاز والوقود ما يجنبها ارتفاع الأسعار في هاتين المادتين الذي انعكس سلبا على المقدرة الشرائية للمواطنين وخلق أزمة كان من الممكن تلافيها لو كانت فرنسا حرة في قرارها السيادي وحرة في إرادتها واتخاذ القرار الذي يناسبها.

فرنسا عاجزة ومُكبّلة

هذا التيار الجديد الذي يقدم نفسه على أنه تيار سيادي يعمل على إعادة فرنسا الى فرنسيتها التي تشكلت على مدار عقود وترسخت مع الفكر الديغولي واسترجاع حريتها التي فقدت من وراء اتفاقيات ومعاهدات وتشكلات سياسية واقتصادية جعلت فرنسا اليوم مكبلة وعاجزة عن إيجاد الحلول لمشاكل الهجرة والفلاحة والطاقة والتعليم والعمل والأجور والسكن والمقدرة الشرائية والكثير من الإكراهات المعاصرة الأخرى.
هذا التيار يطالب مناضلوه بالخروج من الاتحاد الأوروبي وإنهاء هيمنة ألمانيا على القرار السياسي وفك الارتباط مع منظومة الحلف الأطلسي وبناء تحالفات جديدة تكون أكثر نفعا للشعب الفرنسي من خلال الالتحاق بمجموعة ‘البريكس’ والتحالف مع روسيا الحليف القادر على حل مشاكل الطاقة والغذاء الراهنة وفك رباط الهيمنة التي تفرضها أمريكا من خلال سياساتها القومية المجحفة.

اصطفاف مع أمريكا

هذا التيار يعتبر أن فرنسا غير معنية بحروب أمريكا ولا يهمها ما تقوم به إسرائيل من افتعال لنزاعات تصب في مصلحتها ولا تعنيها في شيء وجلبت للعالم المصائب والأزمات وارتباطات ألمانيا الطرف المهيمن على الاتحاد الأوروبي، فهو نهج يطرح نفسه بديلا سياسيا لفرنسا الغد وفرنسا المستقبل فرنسا بقيمها الإنسانية وفرنسا الحرة في سياستها والمستقلة في سيادتها .. هذا التيار يعتبر أن فرنسا مصطفة اليوم وراء قوى عالمية وأحلاف وتشكيلات فقدت صلاحيتها وباتت عبئا ثقيلا على المواطن الفرنسي واليوم حان الوقت للتخلص من هذا العبء وتحرير الارادة الفرنسية واسترجاع السيادة لتعود كما كانت حرة في اتخاذ ما تراه مناسبا من قرارات لصالح الشعب الفرنسي.
ما يحدث في فرنسا اليوم من احتجاجات شارعية، ومن غضب كبير يعرف تمددا من يوم إلى آخر وجلب له الكثير من الطيف السياسي والطبقة المثقفة هو حالة وصورة عن التحولات الكبرى والعميقة التي بدأ يشهدها العالم، وبدأت تظهر في الكثير من البلدان التي تعرف تيارات مناهضة لـ الكولونيالية المعاصرة وفاضحة لحركة الاستعمار الجديد والمطالبة باستعادة السيادة وتحقيق الاستقلال الحقيقي وهو تيار تدعّم أكثر وظهرت ملامحه بكل جلاء بعد عملية طوفان الأقصى وتداعيات الحرب على غزة أين انكشفت حقيقة هذا الغرب المنافق وافتضح النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية وقيّمه غير الإنسانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى