نوفل سلامة يكتب: الرئيس بورقيبة في سياق عصره وروح زمانه (الجزء الأول 2/1)


كتب: نوفل سلامة
تزامنا مع حلول الذكرى السادسة والعشرين لوفاة باني تونس الحديثة ومؤسس دولة الاستقلال الرئيس الحبيب بورقيبة ( 3 أوت 1903/ 6 أفريل 2000)..
نظمت جمعية تونس الفتاة مساء يوم السبت 11 أفريل 2026 ندوة فكرية حوارية بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي خصصتها للحديث عن جوانب من حياة وتاريخ الرئيس عنوانها ‘بورقيبة في ثلاثة أبعاد’، وتناولت بالنقاش ثلاث مسائل مهمة مؤثرة في حياته وهي المسألة الإعلامية وقضية حرية الإعلام والصحافة وحرية التنظم وتواجد الأحزاب السياسية…
سؤال محوري
وتم طرح سؤال محوري: هل كان بورقيبة يتدخل في وسائل الإعلام ويضع رقابة على كل ما يُنشر ويُذاع؟ والمسألة الاقتصادية وقضية المسار التنموي الذي سار فيه واختاره لتونس وسؤال هل كان بورقيبة عارفا بالجوانب الاقتصادية حاملا لمشروع اقتصادي متكامل لتونس ما بعد الاستعمار الفرنسي يسمح بتحقيق نهضة وتقدم على غرار الدول المتقدمة، وهل حقق بورقيبة الاستقلال التام والحقيقي من خلال الاتفاقيات التي أبرمها مع فرنسا في 3 جوان 1955، وهي اتفاقيات مكملة لوثيقة الاستقلال.
وأخيرا المسألة السياسية وقضية الاستبداد والتسلط الصفة التي لصقت به وطبعت مسيرة حياته في الحكم وعلاقته بمن يختلف معهم ويعارضونه، وسؤال هل كان بورقيبة ديكتاتورا؟
وكيف يمكن أن نصنف هذا الرئيس في علاقة بموضوع تأخره في إرساء نظام وحياة ديمقراطية وفي علاقة بالتعددية والحياة الحزبية وموقفه من الديمقراطية والتداول السلمي على الحكم والسلطة…
وسؤال هل يتحمل الرئيس المسؤولية كاملة فيما نحن فيه اليوم حينما تخلى عن المشروع الديمقراطي وأخّر إرساء حياة سياسية تعددية حينما اعتبر أن الشعب التونسي لا تصلح معه الديمقراطية وأنه غير مؤهل لها ما جعلنا اليوم نعاني من تداعيات هذا الموقف الذي لا يزال يردد إلى اليوم رغم ما حصل للبلاد من تحديث وعصرنة وللشعب من تعلم وتثقيف؟
للحديث عن كل هذه القضايا الخلافية والتي لا زالت تشغل اهتمام أهل الفكر والثقافة في بلادنا استدعت الجمعية الأستاذ الجامعي عبد العزيز قاسم الشاعر والكاتب والذي شغل عدة مناصب وتقلد عدة مسؤوليات منها رئاسته للإذاعة والتلفزة التونسية وكان شاهدا على ذلك العصر البورقيبي المشحون بالكثير من القضايا. له عدة إصدارات آخرها ‘بورقيبة المستمع الأكبر’، والأستاذ الجامعي محمد الأزهر الغربي المختص في التاريخ الاقتصادي المعاصر له عديد المؤلفات في علاقة بالمسائل الاقتصادية والمغرب العربي والظاهرة الاستعمارية من المنظور المالي والاقتصادي، وأخيرا عبد الجليل بوقرة أستاذ التاريخ المعاصر بالجامعة التونسية من آخر مؤلفاته ‘جمهورية الرئيس الحبيب بورقيبة قراءة تاريخية في الإنجازات والعوائق والإختلالات’..
اهتمام كبير بالإعلام
في مسألة الإعلام وعلاقة بورقيبة بهذا القطاع الحسّاس ومعرفة كيف كان ينظر الرئيس لكل الجوانب التي لها علاقة بحرية الرأي والتعبير و تصوره لعلاقة السلطة بالأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني وكل ما ينشر في الصحافة المكتوبة و يُذاع وينشر في وسائل الإعلام المسموعة ذكر الأستاذ عبد العزيز قاسم أن الرئيس كان يولي اهتماما كبيرا للإذاعة والتلفزة، وكان يتدخّل باستمرار لإبداء رأيه في كل محتوى من المحتويات التي تبث ولا يتردد في تقديم ملاحظاته أو عدم رضاه عما يقدم وكان يرى أن الإعلام مجال خطير في تشكيل الرأي العام وتوجيه الجماهير لذلك كان يعتبر أن ما يقدم للناس ليس إعلاما وإنما يجب أن يأخذ منحى الإرشاد والتثقيف والتعليم..
فالشعب في رأيه يحتاج إلى من يرشده أكثر من حاجته إلى من يقدم له المعلومة الجامدة، وهذا التصور لدور الإعلام ينضوي ضمن فكرة بورقيبة لحماية النظام واستقرار السلطة وجعل هذا الجهاز الخطير في خدمة الدولة فالهاجس الكبير الذي كان عند الرئيس كما يقول عبد العزيز قاسم هو الشعب، وقد كان يخاف من الشارع لقد كان بورقيبة يتجنب التصادم مع الجماهير وكان يخاف الاحتجاجات ولا يقبل بمن يعارضه لذلك كان يسعى ويطلب أن يكون ما يُذاع ويُنشر في الإعلام له طابع توجيهي إرشادي…
المنعرج الحاسم مع الإعلام
يعتبر عبد العزيز قاسم أن الأمور في تونس صارت على هذه الشاكلة في علاقة الرئيس بالإعلام، وهي علاقة حذرة وفيها رقابة مباشرة منه وهي نفس النظرة التي طبعت موقفه من الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني حيث عرفت تونس في السنوات الأولى من الاستقلال مناخا من الحرية والديمقراطية و تواجد الأحزاب السياسية على غرار الحزب الشيوعي ونشاط لعدة جمعيات مدنية مع تواصل صدور الكثير من عناوين الصحف وكان المشهد غير مقلق للرئيس ولا للحزب الحاكم، غير أن المنعرج الحاسم الذي غيّر نظرة بورقيبة من الإعلام والأحزاب وجعله أكثر تشدّدا وخوفا وحيطة ودفعه إلى المزيد من الإغلاق والمنع والرقابة بدل توسيع رقعة الحرية ما حصل من إحباط للمحاولة الانقلابية الفاشلة، وكشف للمؤامرة التي قامت بها مجموعة من أفراد الشعب سنة 1962 لاغتيال الرئيس جزء منها كان ينتمي إلى المؤسسة العسكرية، والتي جاءت في سياق الصراع اليوسفي البورقيبي وما عُرف وقتها بالفتنة اليوسفية…
تضييقات ومنع
هذه الحادثة غيّرت نظرة بورقيبة لكل شيء وحوّلت مواقفه وسلوكه نحو المزيد من الضبط والحزم ومع إعدام المجموعة المورطة في محاولة الانقلاب دخلت تونس في منعرج جديد عرفت فيه تصادم الدولة مع الكثير من مكوّنات المجتمع فتم منع الكثير من الصحف وحظر نشاط الأحزاب والجمعيات وبدأ التضييق على المعارضين وخاصة المنتمين إلى التيار الماركسي والفكر القومي البعثي، ودخلت البلاد في مسار خطير مع إرساء محكمة أمن الدولة وما عرفته أحكامها من غياب لأبسط حقوق التقاضي ومن تساهل في إصدار الأحكام التي كانت في نظر المتابعين قاسية وهو منعرج أثر على السلطة القضائية وبقيت تداعياتها إلى اليوم…
رجل براغماتي
ينهي عبد العزيز قاسم مداخلته بقوله أن بورقيبة كان رجلا عمليا براغماتيا ويتمتع بقدرة كبيرة على التمييز بين الفكرة والفعل، فرغم أنه كان يكره الشيوعية ويعتبر فكرها لا يصلح لتونس وينتهي إلى إرساء دولة ديكتاتورية قمعية، فإن ذلك لم يمنعه من الاستفادة من تجربة بلدان أوروبا الشرقية في المجال الثقافي وكانت وقتها تحت الحكم الشيوعي حد النخاع حيث اعتبر أن هذه البلدان هي الأصلح والأكثر إفادة لتونس في ارساء مشهد وحياة ثقافية متطورة، ويمكن أن تستفيد البلاد من تجربة هذه البلدان في المسرح والسينما والثقافة عموما وتأسيس نواد ودور ثقافة لتثقيف الشعب…
ولهذا الغرض ارسل المرحوم الشاذلي القليبي في جولة الى هذه البلدان للاطلاع على تجربتها في هذا المجال فرغم أنه درس في فرنسا وكان مفتونا بالحداثة الغربية ومبهورا بفكر عصر الأنوار وما حققته الليبرالية الغربية من نهضة وتقدم إلا أنه كان يعتبر فرنسا في المجال الثقافي متخلفة عن غيرها، وأن تجربة أوروبا الشرقية في المجال الثقافي هي الأصلح والأجدر والمثال الذي يجب أن يُحتذى به.
وللمقال صلة…




