عيسى البكوش يكتب/ أحمد اللغماني (1923-2015): على خطى المتنبّي وابن هانئ


كتب: عيسى البكوش
سيّدًا كنتَ، سيّدًا سوفَ تبقَى
تحتَفي باسمِكَ «الحَبِيبِ» العصورُ
تشهدُ الأرضُ والسّماءُ وَمَا
بينَهما أنّك الكبيرُ الكبيرُ
ميزةُ الخالدين يَا خالدَ الذّكرِ
حياةٌ لاَ تحتويهَا القُبورُ.
هكذا لبّى الشاعر أحمد اللغماني رغبة الزعيم بورقيبة ‘أن يرثيه إذا قدّر الله فسبقني إلى جواره’، وكان ذلك غداة رحيل باني الدولة الحديثة يوم 6 أفريل من عام 2000.
تحتوي هذه المرثيّة على أكثر من مائة بيت وهي تعدّ من بين القصائد العصماء، ويستشفّ المرء عند سماعها روح المتنبّي ونظيره في الغرب ابن هانئ.
وعلى ذكر المتنبي فثمّة وجه شبه آخر بينه وبين شاعرنا اللغماني. لقد كتب محمد صالح الجابري في مدوّنة “الشعر التونسي المعاصر” الصادر عن الشركة التونسية للتوزيع عام 1976: “طابع الاعتداد بالنفس هو السمة البارزة في شخصية اللغماني، وقد طغى ذلك على كلّ ما في خياله وتسرّب فيما تسرّب إلى إنتاجه الشعري:
“يقولون لي أنت ذو كبرياء
فقلت أجل ذلك من شيمي ”
فهو امرؤ مذهبه الصمود والعناد :
“فكلما احتككت بالمصاعب الشداد
زاد عنادي عنتا وجمرتي اتقاد”
توجّه ذات يوم من شهر جويلية من سنة 1981 إلى ابنه سليم فقال بصوت عال:
“لم أعطك – يا ولدي- إلاّ
ما كان أبي أعطاني
علّمتك كيف تثور
لكبريائك ثورة بركان
علّمتك أنّ الكبر على
المتكبّر لبّ الإيمان”
البدايات في قابس
ولد أحمد اللغماني بقرية الزارات قرب مدينة قابس يوم 31 من شهر مارس من عام 1923، أدخله والده – وهو مؤدّب – الكتّاب في سنّ مبكّرة إلى حدود التاسعة من عمره، ثمّ التحق بالمدرسة الابتدائية بالمكان، بعدها قضّى سنة واحدة بالمدرسة التكميلية بقابس قبل أن ينتقل إلى الحاضرة للانضمام إلى الزيتونة والخلدونيّة في آن.
سنة 1940 يلتحق بمدرسة ترشيح المعلمين ليتخرّج منها معلّما وشاعرا إذ كان ينشر إنتاجه في الجرائد السيّارة في تونس كالصباح والصريح والعمل والأسبوع وفي المشرق كالأدب والندوة.
امتهن التدريس بادئ ذي بدء بمدرسة المؤانسة بجرجيس ثمّ انتقل سنة 1947 إلى سيدي بوسعيد فـ نيانو قرب قرنبالية عام 1950.
ثمّ من بعد ذلك ارتقى إلى صفّ متفقّدي التعليم الابتدائي فباشر التفقّد من سنة 1961 إلى سنة 1966 عندما التحق بوزارة الشؤون الثقافية إلى حدود سنة 1970.
لقاء مع بورقيبة
وفي الأثناء بدأت مغامرته مع الإذاعة الوطنية إذ أنّه أصبح بسبب مرض الشاعر مصطفى خريّف منتجا لحصة “هواة الأدب” وذلك في شهر جوان من سنة 1962 وبعد ذلك بخمسة أشهر وبالتحديد يوم 6 نوفمبر من السنة نفسها كانت لحظة اللقاء بالرئيس بورقيبة الذي رتّب له مدير الإذاعة آنذاك المنعّم الحبيب بولعراس.
يقول الشاعر في حديثه لمجلّة “ليدرز”: كان الرئيس في زيارة لمبنى الإذاعة فقدّمني إليه سي الحبيب الذي أسرّ لي من قبل “أنّ الرئيس مفتون ببرنامجي” فرحّب بي ترحيبا حارّا ما كنت أتوقّعه”.
ويضيف: ” تقدّمت -إليه- في رهبة لا تَخْفَى، ذلك لأنّي أراه من قُرب لأوّل مرّة ورغم قِصره بدا لي لهيبته عملاقا، وشدّتني نظرته الثاقبة وزرقة عينيه الصافيتين”.
ومنذ ذلك اللقاء لم ينقطع وصل الودّ بين الرئيس والشاعر فكان ما ليس منه بدّ، أي الإعجاب والمديح ممّا أثار نعرة بعضهم فأرادوا الكيل وكانت واقعة الملحق الثقافي لجريدة العمل لسان الحزب الحاكم الذي حمل في صفحته الأولى كاريكاتور الشاعر وهو يقرع في بندير فثارت ثائرة الرئيس وأُوقفت الملاحق.
ولكنّ الشاعر لم ينس فأسرّها في نفسه إلى حين رحيل الرئيس سنة 2000 فجاء ردّه مزعزعا: ” يا لسخف العقول ! هيهات أن
يدرك ستر الخلود عقل صغير
دعك من صرعة الدراويش!
يرخيها بخور، يشدّها بندير”.
كان متيّما لا فحسب برئيس البلاد بل بالبلاد وبالأمّة.
يا تونس الخضراء
إنّي أغار عليك غيرة عاشق
إنّي أغار عليك ممّن حبه زبد
إذا هبّت عليه الريح جفــــــا
ثمّ متحسّرا عمّا يعانيه العرب:
” يا عروبتي، يا تناهيدي ويا وجعي
ويا افتضاح معرّاتي وتشهيري
ماذا تقولون عن أرض قد اغتصبت
وعن دم في ربى لبنان مهدور
ماذا تقولون للأحفاد عن عرب
باعوا عروبتهم من غير تسعير
يقول عنه محمد صالح الجابري: ” اللغماني شاعر من المجيدين نسيج وحده بين الشعراء التونسيين يدانيه من الشعراء العرب عمر أبو ريشة وصالح جودت”.
وأنّي أزعم أنّه قد يفوقهم حينما يرسم بالكلمات صورا تكاد تنطق بهاءا وإنتشاءا:
بدأ العرس –يا صبايا- فأين
الملحف القابسي والتخليل
أين ترنيمة الخلاخيل في
دوّامة الرقص والقدود تميل
أين لون الحنّاء في الأنامل البيض
ذوبا من أرجوان يسيل
والسواك الناري في الشفّة
الظمأى وطرف بكحله مكحول”
رحيل الشاعر
رحل عنّا رحمه الله يوم الأحد 19 أفريل من سنة 2015 ودفن بمقبرة الزارات.
لقد استبق الشاعر هذا الوقت المعلوم فقال عن لقائه بخالقه في ديوان ” قلب على الشفة” الصادر عن الدار التونسية للنشر عام 1966:
“لي مأمل أنّي سألقى عنده
يوم القيامة أفضل الترحاب
ولسوف آتيه بوجه ناعم
ولسوف آتي باليمين كتابي”
كما جاء في ديوان “ذرّة ملح على جرح” الصادر عن دار سيراس عام 2001:
” تموت الجياد الكرام على سيوفها شامخات
كما ييبس النخل في سنوات الجفاف
يطلّ بمدد قاماته المستقيمة
كذلك تستقبل الموتى في شمم
كلّ نفس كريمة




