عبد اللطيف الفراتي يكتب: المارد الصيني يتثاءب


كتب: عبد اللطيف الفراتي *
بعد سنة على تجاوز الصين من حيث ناتجها الداخلي الخام لألمانيا، ها هي الأيام الأخيرة تؤكد وعلى مدى ثلاثيتين متعاقبتين تجاوزا صينيا للناتج في اليابان، ثاني دولة ترتيبا من حيث أهمية ثروتها المتجددة سنويا منذ سنوات طويلة.
وبالترتيب العالمي فإن الصين تلاحق اليوم الولايات المتحدة باعتبارها تحتل المكانة الثانية ترتيبا. وقد اجتازت ألمانيا ثم اليابان بعد أن كانت من قبل تجاوزت فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وغيرها من البلدان التي يتراوح عدد سكانها بين 60 و120 مليون نسمة.
والناتج الداخلي الخام هو مؤشر لقياس الثروات المحققة في بلد معين وسنة معينة، ويعتبر كما جاء في إحدى الموسوعات القيمة الجملية للإنتاج الداخلي من طرف العناصر المقيمة داخل حدود دولة وطنية معينة ، كما يعتبر مقياسا للدخل المتأتي من الإنتاج.
نسبة نمو عالية
وفي آخر تقييم للثروات في العالم ، وباعتبار الأدوات الجديدة التي أقرتها الأمم المتحدة للحسابات القومية بداية من سنة 2008 بعد نهاية العمل بتلك الحسابات المعتمدة منذ 1980 ، وهذه الحسابات القومية التي اعتمدتها تونس مؤخرا في مخططها الجديد، فإن الصين التي سجلت نسبة نمو عالية ، منذ أن قررت التخلي عن الإقتصاد الموجه في أواخر السبعينيات، واعتمدت الليبيرالية ، حققت نموا للثروة بمعدل ما بين 8 و10 في المائة بدون انقطاع ، في ظل قدرة كبيرة على استجلاب الإستثمار الخارجي المباشر، وإنتاجية عالية للعمل، بحيث يتوقع لها أن تصبح أكبر قوة تجارية في العالم بعد وقت قصير.
ذلك أن الصين أكبر دولة من حيث عدد السكان بمليار و300 مليون تليها الهند التي سيتجاوز عدد سكانها الصين في زمن منظور أي خلال أقل من 20 سنة ، ذلك أن الصين ثالث أكبر مساحة في العالم بعد روسيا بـ 17 مليون كيلومتر مربع وكندا ب9 ملايين و700 ألف كيلومتر مربع ثم بيكين بأكثر من 9 ملايين و50 ألف كيلومتر مربع ، ذلك أن الصين كثاني أكبر سوق تصدير ، ذلك أن الصين بأكبر احتياطي في العالم من العملات ، قفزت لتحتل المكانة الثانية عالميا من حيث حجم الناتج الداخلي الخام مباشرة بعد الولايات المتحدة ، وقد تجاوزت في النصف الأول من هذا العام اليابان بعد أن كانت قد تجاوزت قبل عام كما رأينا ألمانيا.
بعيدة عن الولايات المتحدة
ولكن وفي مقارنة سريعة نجد أن الصين ولو أنها احتلت المرتبة الثانية من حيث حجم الناتج فإنها تبقى بعيدة جدا عن الولايات المتحدة ولا يكاد ناتجها يتجاوز 25 إلى 30 في المائة من حجم الناتج الأمريكي.
ووفقا لحجم الناتج في سنة 2009 وهو المتاح حاليا للمقارنة فإن مقارنة سريعة تبرز الأرقام التالية:
** الولايات المتحدة : 14 256 ألف مليار دولار
** اليابان :5060 ألف مليار دولار
** الصين : 4908 آلاف مليار دولار
** ألمانيا : 3352 ألف مليار دولار
** فرنسا : 2675 ألف مليار دولار
** بريطانيا العظمى : 2189 ألف مليار دولار
** إيطاليا : 2118 ألف مليار دولار
** البرازيل : 1574 ألف مليار دولار
** إسبانيا : 1474 ألف مليار دولار
** كندا : 1336 ألف مليار دولار
وبالفعل فإن الصين تجاوزت خلال العام الحالي اليابان ولكنها بعيدة عن أن تكون مزاحما فعليا من حيث حجم الناتج وعلى مدى منظور أو حتى أبعد من المنظور للولايات المتحدة .
وإذ تأتي الهند في المرتبة 12 في ترتيب حجم الناتج الداخلي الخام بواقع مليار و100 مليون ساكن و1117 ألف مليار دولار كناتج خام ، فإن الدول العربية لا تتميز بمراتب متقدمة فالأولى عالميا هي المملكة العربية السعودية في المرتبة 23 تليها في المرتبة 47 الجزائر ثم في المرتبة 48 مصر.
غير أن الناتج إذ يعبر عن ثراء الدولة المعنية فإنه ينبغي تنسيبه باعتبار عدد السكان، وإذ يبلغ معدل الدخل الفردي الذي هو المقياس الحقيقي للثروة 41 ألف دولار في الولايات المتحدة فإنه لا يكاد يتجاوز 3000 إلى 4000 دولار في الصين حسب عدة مصادر عبر الإنترنت ، وبالتالي فإن الصين تأتي في المرتبة 128 بين مختلف الدول باعتبار مستوى الدخل الفردي.
قوة اقتصادية..ولكن
ولذلك فإن الصين كدولة تعتبر قوة اقتصادية كبرى محتلة مكانة مرموقة على الصعيد العالمي ولكنها تبقى قزما قصير القامة إذا أخذنا في الإعتبار حجم الدخل الفردي الذي يترجم حقا ثراء البلاد أو فقرها، إن المارد الصيني يستعد للخروج من القمقم ، ولكنه لا يمكن بحال أن يعتبر تلك القوة الإقتصادية العظمى ما دام هشا باعتبار الثروة الفردية التي يتوفر عليها.
غير أن الصين كثاني أكبر قوة اقتصادية مباشرة بعد الولايات المتحدة ولو بعيدا عنها باعتبار ناتجها الداخلي الخام تبقى رقما مهما في التوازنات الدولية ، التي وإن كانت القوة المسلحة تعد أحد أسباب قوتها أو قوة غيرها فإن قوتها الإقتصادية تجعل لها وزنا كبيرا جدا لا بد من قراءة حسابه.
• كاتب صحفي رئيس تحرير أسبق
• [email protected]




