صالون الصريح

نوفل سلامة يكتب/ في تقديم كتاب ‘الأمة الممكنة’ لـ محسن مرزوق: سؤال الممكن والمستحيل

slama
كتب: نوفل سلامة

نظمت ‘حركة حق’ ندوة فكرية لمناقشة الكتاب الجديد ” الأمة الممكنة ” للناشط السياسي محسن مرزوق احتضنها أحد النزل بالعاصمة وذلك يوم الأحد 25 جانفي 2026 وقد تولى تقديم الكتاب الباحث في علم الاجتماعي الأستاذ المولدي قسومي في حين عقب على مضمونه الأستاذ صغير الصالحي.

الكتاب في مجمله يعيد طرح السؤال القديم الذي طرحه زعماء الحركة الإصلاحية ومفكرو عصر النهضة العربية في أواخر القرن التاسع بعد سقوط الخلافة العثمانية ونهاية آخر تجمع سياسي للمسلمين لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟

وهو سؤال كان مدار كتب عديدة ألّفها العديد من المفكرين في ذلك السياق التاريخي والجيوش الأوروبية على الحدود العربية كان من بينهم شكيب أرسلان ” ومؤلفه ” لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم ” ورفاعة الطهطاوي وكتابه ” تخليص الإبريز في تلخيص باريز” و طه حسين وكتابه ” مستقبل الثقافة في مصر” ومالك بن نبي وكتابه ‘شروط النهضة’ و أبو الحسن الندوي وكتابه ‘ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين’؟

تعطل نهضة تونس؟

وهو كذلك سؤال يتعرض إلى الإعاقة التي حالت دون أن تحقق تونس نهضتها المطلوبة بعد مرحلة من الاستعمار الفرنسي هي ما فسر بها البعض ما منع البلاد من التقدم نحو تحقيق مدنية وديمقراطية وتنمية عادلة ودولة عصرية وهو سؤال تعيد النخبة السياسية الحالية طرحه بعد ما حصل من تعطل للثورة التونسية وفشل مرحلتها الانتقالية وما حصل من منعرج مؤثر مع مسار 25 جويلية 2021 وتحويل وجهتها نحو كتابة سردية جديدة للحراك الثوري الذي حصل حيث يتزامن صدور كتاب الأمة الممكنة مع كتاب آخر تونس الممكنة لـ عماد الدائمي…

الفكرة المركزية التي يدور حولها الكتاب هي لماذا لم تستطع النخبة السياسية التي عُهد إليها تحقيق أهدافه الثورة أن تحافظ على أهدافها وتنجز مطامح ورغائب من قام بها؟ ولماذا لم توفق النخبة السياسية في تقديم حلول لوضع اقتصادي واجتماعي جديد مغاير لما كان قبل الثورة؟

والكتاب في النهاية يدور حول سؤال كيف يمكن لتونس أن تكون أمة متقدمة تصنع مستقبلا مزدهرا لأبنائها؟ وكيف يمكن أن نُخرج البلاد من وضعها المتأزم الذي لازمها طويلا؟ وما هو طريق الخلاص من حالة العطالة وحالة اللا تقدم؟
هي أسئلة كثيرة جميعا يختزلها كما سبق أن ذكرنا سؤال وحيد لماذا لم نتقدم؟ اختار محسن مرزوق أن يجيب على هذا السؤال الوجودي بتقديم عرض يطلب أن نتفاعل معه وأن نحاوره من خلال مدخل نظري اختاره بالعودة الى فكرة الأمة ومدخل مضموني بالتركيز على فكرة خلق الثروة المادية والرمزية وطريقة توزيعها توزيعا عادلا يستفيد منه الجميع.

نُخبة ‘الفشل’

ما أثار النقاش في الفضاء العام وجعل الكتاب يُحدث لغطا كبيرا وردود فعل متباينة كونه صادر أولا عن فاعل سياسي كان مؤثرا بقوة في مرحلة مفصلية في تاريخ تونس المعاصرة، وفي سياق ثوري ومرحلة انتقال ديمقراطي وُصفت عند خصومه بالفشل والتصق بالنخبة السياسية التي تسلمت مقاليد انجاز تطلعات الثورة صفة الفشل مما يجعل هذه النخبة عند خصومها غير مؤهلة للحديث عن هذا الإحياء الجديد الذي يتحدث عنه محسن مرزوق وهذه العودة إلى حالة التقدم المهدور.
وثانيا هذه العودة التي يقترحها الكاتب إلى مفهوم الأمة التونسية مدخلا لبناء دولة جديدة ونهضة مرتقبة حيث يعلن محسن مرزوق منذ البداية أن التونسيين أمة وأن دولتهم يجب أن تقوم بوضوح على هذا المبدأ وأن موضوع الخلاف الهووي يجب أن ينتهي فلا يمكن – حسب رأيه – أن تثبت دولة في غياب اليقين حول هوية الشعب – القومية – الأمة التي تتطابق معها وهذا يجعل أن تونس ليست دولة متخيلة قائمة ظرفيا في انتظار قيام دولة – أمة – متخيلة عربية إسلامية.
فالدولة الأمة الحقيقية هي الدولة الفعلية القائمة على عكس الدولة المتخيلة باعتبارها مشروعا سياسيا أو حلما أيديولوجيا لا تتطابق معها.
وفي تعريفه لمفهوم الأمة يعتبر الكاتب أن عبارة الأمة العربية والأمة الإسلامية هي عبارات مجازية مثل الأمة المسيحية والأمة الأمريكية اللاتينية. إنها تصف فضاءات ثقافية أو إيمانية، ولكنها لا تصف الأمة الواقعية التي تقوم عليها الدولة وجوبا في إطار سياقات هوياتية وترابية وتاريخية.. فالأمة التونسية في نظره تمثل واقعا خاما فقط رغم تجسدها في دولة قائمة ومصالح وكيانات جيوسياسية لابد من العمل كي تتحول هذه الحقائق الخام إلى حالة وعي بالذات وألا تكون العلاقة بين الأمة ودولتها علاقة عمياء.

مفهوم ‘الاحتماء بالنفس العميقة’

هذه العودة إلى مفهوم الأمة في السياق التاريخي الحالي الذي تعيشه البلاد التونسية ويعيشه العالم بهذه الحمولة المثقلة بالماضي والحاضر والمستقبل يفسرها المفكر فتحي المسكيني بفكرة الاحتماء بالنفس العميقة حيث يعتبر المسكيني أن الشعوب كلما مرّت بمرحلة أزمة في وجودها وبفترة تعطل واعاقة فإنها تعود إلى نفسها العميقة إلى تاريخها الطويل تستلهم منه حلولها للخلاص وهذا ما قصده محسن مرزوق حينما استرجع واستحضر من الماضي والتاريخ والذاكرة فكرة الأمة التونسية للحديث عن المستقبل حيث يعتبر إنه إزاء الأحداث الكبرى وفي زمن الأزمات الحادة فإن الشعوب تعود وتطرح سؤال من نحن وسؤال آخر كيف نخرج من ورطة العطالة واللا تقدم؟ وسؤال ماذا نريد؟ وكيف نصل إلى ما نريد؟

ولكن هذه العودة إلى فكرة الأمة التونسية في هذه السياق التاريخي المختلف عن زمن طرحها وظهورها الأول وهو سياق الاستعمار الفرنسي والمغاير للسياق التاريخي الذي طرحت فيه من قبل زعماء الحركة الوطنية وقادة الفكر والإصلاح التونسيين بدءا بالمصلح عبد العزيز الثعالبي وكتابه تونس الشهيدة مرورا بالحبيب ثامر وكتابه هذه تونس والحبيب البلهوان وكتابه نحن أمة وانتهاء بالحبيب بورقيبة الذي حوّل فكرة الأمة التونسية إلى فكرة مركزية في مشروعه لتحرير تونس من الاستعمار الفرنسي ثم بناء دولة الاستقلال..

مفهوم الأمة التونسية

حيث كان هذا المفهوم حاضرا بكثافة في كل محطاته النضالية والتأسيسية وقد استعمله استعمالا مفرطا إلى درجة أن أصبح مفهوم الأمة التونسية فكرة ملتصقة بالحبيب بورقيبة وفكره السياسي والعودة إليها اليوم في سياق مختلف وفي زمن مختلف وفي عصر مختلف عن ظهورها الأول والاستنجاد بها لبناء رؤية وبرنامج تقدم وعصرنة ومدنية لتونس المعاصرة يطرح إشكالا كبيرا حول العناصر المُكونة لهذه الأمة التونسية التي يعوّل عليها محسن مرزوق لبناء دولة جديدة متقدمة والرؤية التي يقترحها لهذه الأمة التي هي بالضرورة مختلفة في تكوينها ومكوناتها عن الأمة التونسية كما تشكلت في زمن الاستعمار حيث أن عنصر اللغة والدين والهوية العربية الإسلامية والانتماء إلى جغرافيا ممتدة وارتباط بالعالم الإسلامي لا جدال فيه ولم يكن محل نقاش ولا شك في حين أن مكونات الأمة التونسية في راهنها بعد أكثر من خمسين سنة عن الاستقلال…

وما حصل في المجتمع التونسي من تحولات عميقة غير متفق عليها وحولها اختلاف كبير على الأقل في مكانة أهم عناصرها اللغة العربية والدين الإسلامي والانتماء إلى الجغرافيا الممتدة والتاريخ الواحد والثقافة الجامعة حيث اتضح اليوم أن الشعب التونسي غير متفق في كل شيء وهو غير متفق على سردية واحدة لتاريخ الحركة الوطنية والنضال الوطني ورواية واحدة للذاكرة التاريخية وغير متفق على استقلاله وخاصة غير موحد حول رواية وسردية عامة للثورة وغير متفق على وضع الدين في المجتمع والدولة ومكانة اللغة في عصر التحولات والتطور التكنولوجي الحاصل.

اختلاف قديم أيضا!

وحتى التاريخ القديم فإن الشعب التونسي مُختلف حوله فالمرحلة القرطاجية مثلا والتي نفتخر بها حولها اختلاف كبير بين من يعتبرها من مقومات تاريخ تونس الطويل ومن شخصية الفرد التونسي ومن بعدها مرحلة عرفت فيها البلاد تحيلا كبيرا من خلال حيلة بيع قطعة أرض للوافدين الأجانب مقاسها جلد الثور كما تقول حكاية بناء قردحشت مما جعل التاريخ القديم لتونس يبنى على التحايل وبالتالي فإن تاريخنا قائم على التحيل وتواصل مما جعل الشخصية التونسية في نظر البعض شخصية ‘متحيلة’.
المدخل الثاني الذي يقدمه في عرضه لعملية الإحياء الجديد والبناء الجديد للدولة التونسية هو مدخل مضموني عملي يقوم على فكرة خلق الثروة المادية والرمزية في جميع المجالات والميادين وهو عبارة على برنامج بمراحل و آجال زمنية محددة ووسائل تطبيق لإصلاح الدولة والسياسات العمومية يرتقي إلى أن يكون برنامج حكم يمكن أن يقدم للشعب.

كتاب مقلق

المشكل في هذا الكتاب أنه كتاب مقلق ومضمونه النظري هو الآخر مقلق لأن صاحبه ولج مجالا حساسا للغاية لامس فيه هوية الشعب واستنجد بفكرة الأمة الواحدة المتجانسة حول عناصر مشتركة متفق عليها لبناء دولة متقدمة ومستقبل واعد وهو كتاب مقلق لأن منطلقه كان سؤال الأزمة وسؤال الفشل والإعاقة التي لازمت الدولة وعرض الممكن واقترح المتاح للخروج من حالة العطوبة ولكنه انتهى في الأخير إلى طرح سؤال الاستحالة، استحالة الإحياء الجديد والنهوض من جديد بنفس الفكرة ونفس طريقة التفكير التي خرجت بها تونس من وضعها الاستعماري وبها بنت دولتها المستقلة…
وهذا يعني أنه على النخبة المثقفة وهي تعيد فتح النقاش حول الخروج من الأزمة الحالية الخانقة وهي أزمة مركبة ومعقدة ومتعددة الأبعاد أن تطرح أفكارا جديدة فالواقع الحالي قد لا تصلح معه نفس الحلول القديمة ولا يفيده نفس التفكير الذي فكر به زعماء الحركة الإصلاحية ورجال الحركة الوطنية الذين وجدوا الأرضية ممهدة للتعويل على فكرة الأمة التونسية لإخراج المستعمر الفرنسي الذي حرص على صهر الشعب التونسي في الأمة الفرنسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى