صالون الصريح

صلاح الدين المستاوي يكتب: خليفة التزغدانتي رحمه الله..الرجل الذي أحبّه الجميع

mestaui
كتب: محمد صلاح الدين المستاوي

ودعنا نهاية الأسبوع الماضي اخاعزيزا وصديقا حميما ورفيق درب قلّ له نظير في الزمان: وفاء واخلاصا ونصرة ومساندة لا دافع له من ورائها الا الاخوة والمحبة

الاستاذ خليفة التزغدانتي رحمه الله، أصيل تطاوين فيها ولد ونشأ وتدرج في طلب العلم متنقلا من تطاوين الى جربة انتهاء بتونس العاصمة ليتخرّج أستاذا للرياضيات مُدرسا بالمعاهد العمومية في العاصمة واريانة إلى أن قرر أن يخوض تجربة التعليم الخاص بتأسيس معهد يحمل اسم ‘ابن عرفة’ عالم الجنوب الشرقي الذي أصبح إمام الجامع الأعظم الزيتونة ومفتي البلاد التونسية لما يزيد على نصف قرن من عمر الزمان..

ولم يكن هذا العالم الرمز غائبا عن ذهن اخينا خليفة التزغدانتي رحمه الله فقد علم فقيدنا العزيز رحمه الله إن طلب العلم وتحصيله هو سبيل شق الطريق لمن ليس له من سبيل غيره في الحضور في هذا الزمن الصعب
شق خليفة التزغدانتي طريقه بكل عزم ومثابرة لا يعرف المستحيل إليه سبيلا..

بدايات التأسيس

عرفته في نهاية السبعينات لما أسس معهد ابن عرفة في مقرين الذي ما لبث أن أصبح له فروع في الأحواز وفي زغوان وبنزرت وسليانة وتطاوين وغيرها، ولم يكن وراء هذا التوسع مردودا ماديا بل كان فرصة هيأها الفقيد لكل من يريد دخول مجال المبادرة الحرة، مدّ للجميع يد المساعدة ودخل معهم مجال المغامرة ولم يكن دائما هو الرابح فالرجل يحب الخير للجميع، تشرّب منذ نشأته حب الخير في كل مجالاته وكانت ثمرة ونتيجة هذا التمشي استفادة واسعة من الرجل من أقاربه الذين بث فيهم هذا الطموح…
وهم اليوم من إطارات تونس في مختلف المجالات ينسجون على منواله رحمه الله

رجل العطاء سرا وعلانية

لم يبخل عن كل من حوله تعرّفوه وتعرّفوا عليه فكم سجل من تلاميذ و تلميذات من ذوي الدخل المحدود في معهد بالمجان او بالمقادير المالية القليلة المهم ان يواصلوا دراستهم والكثير منهم اليوم إطارات في القضاء والمحاماة والطب والأسلاك العسكرية من جيش وطني وشرطة وحرس، وغير ذلك وجميعهم يلهجون عليه بالدعاء ويترحمون عليه وقد يكون بكاء حارا لما بلغهم نعيه وتقاطروا من كل مكان ليشيعوه إلى مثواه مساء يوم جمعة من هذه الايام المباركة من اشهر الخير بعد مرض ألّم به وانهكه منذ الصائفة إلى أن لاقى وجه ربه راضيا مرضيا..
وأشهد أن خليفة رحمه الله كان رجل العطاء سرا وعلانية لا يبتغي من وراء ذلك جزاء ولا شكورا كان رحمه الله يسخر ساحة مدرسته لتكون قاعة أفراح للعائلات محدودة الدخل مدخلا عليها السرور..

رجل إصلاح

كان خليفة رحمه الله رجل إصلاح ذات البين والتقريب بين الجميع فكم اقترح اتحمل المسؤوليات من اصدقاء ومعارف كان يتحمس للجميع ويتدخل لفائدتهم الى حد الإحراج ولكنه يعود الى ما تعوده المرة تلو الأخرى ويرى ذلك واجبا توجيه على نفسه كان يفعل ذلك لا لغاية والرجل لم يتقدم لاي خطة في شعبة او بلدية..او..او.. وهو القادر على ذلك لم ينافس الناس فأحبوه..

عرفت ذلك من خليفة رحمه الله أكثر مما عرفه منه غيري، كان الرجل يحظى بالقبول بالجميع ويسمح له الجميع بالتجاوز عن تلقائية واذكر انه كان يحظى بقبول حتى عند فى شيوخ الدين وكبار المسؤولين يقبلون منه ما لا يقبلونه من غيره..

لم يتظاهر الرجل بالدين ولكنه كان يجسم قيم وأخلاقه صدقا وإخلاصا ورحمة ورفقا فعسى أن يكون ما عاناه من مرض عضال مكفرا له وسببا للقبول برحمة أرحم الراحمين وشفاعة سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام..

كان حضور الاخ خليفة رحمه الله الى جانبي طيلة العقود الأربعة الماضية حضورا متواصلا خاض ‘معامع’ عديدة كان فيها المرافق والعين ومن يشد الأزر; و قد جاء ذلك نتيجة نظرة منه أن التعاون على الخير وشد الأزر واجب وطني واجتماعي وديني في فهم صحيح الدين فكم قطعنا من المسافات من شمال البلاد الى جنبها نرجع منها الى مقرين في فجر اليوم الموالي..

كان يفعل تطوعا وخدمة المصلحة العامة وايمانا بالحفاظ على أسباب مناعة الدولة، كان خليفة رحمه الله يتدخل في كل موضوع ومبديا فيه برأيه حتى تلك المواضيع التي تستدعي الاختصاص فقد كان مؤمنا بالتعليم بين الجميع من ذلك أنه لا يغيب على لقاء الغربية في جربة بل ويطلب مني تحرير كلمات كان يلقيها يترجمها الى اللغة الفرنسية..

تلازمنا حتى في الشدّاد

تابع مسيرة حياتي العامة الدينية والسياسية وتلازمنا في الإقامة والسفر وسافرنا معا الى ليبيا والمغرب وفي البقاع المقدسة وعرفت فيه الرجولة والوفاء الذي بقي عليه حتى عندما مرت بي ظروف صعبة في آخر العهد السابق بعد سنة 2004..
كان رحمه الله يغضب لما عشته شخصيا من ظروف صعبة نظرا لما رآه في مما اعتبره من قبيل الثبات على المبدأ مهما كلفني وكان يعاتبني على بعض ما يصدر عني في بعض الاحيان لكنه لا يلبث أن يحمد ذلك ويرتاح له وكان دائما نعم الاخ والصديق
ان الاخ خليفة رحمه الله ركن وسند فقده الجميع أسرته الضيقة وعشيرته وكل من عرفوه وتعرفوا عليه وفقدته شخصيا وشعرت بفقده أني فقدت أخا منذ تعرّفنا على بعضنا في مرحلة من عمرنا رأى كل واحد منا في الآخر الطرف المكمل له..

بكيته منذ ان الم له المرض الذي لم يرحمه والذي امتد اشهرا جعله الله كفارة له ليخرج من الدنيا الى جنات النعيم ورضوان رب العالمين الذي من علاماته حب اهل الارض و اسال الله العلي القدير ان يكون (ممن ينادي الله في السماء ان ربكم يحب عبده فلانا فاحبوه ثم ينادي مناد في الارض ان ربكم يحب عبده فلانا فاحبوه) وان يكون ممن يقول لهم ربهم (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي).. صدق الله العظيم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى